فهرس الكتاب
ـ الخوف من الله عامل أساسي في تكوين النفس المؤمنة، ولابدَّ لتوفُّره من معرفة عظمة الخالق فيما خلق، وإدراك أن ما خلقه لم يكن مصادفة أو عبثًا، وإنما هو نظام له خطَّة وهدف، من أدركه والتزم به نال الشفاعة والقربى، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، ومن أعرض عنه هلك وغوى.
/ في رحاب الآيات:
تحدِّد هذه الآيات الكريمة وظيفة النبي صلى الله عليه وسلم ، فهو شاهدٌ على التحوُّل الجذري الَّذي أحدثه القرآن في الناس، بولادة الأمَّة المسلمة الجديدة، وهو مبشِّرٌ بالخير والعطاء الإلهي لمن يتَّقي الله، ومنذرٌ للمعرضين عن نور المعرفة والهداية. قال ابن عباس رضي الله عنه: لمَّا نزلت هذه الآية دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليًّا ومعاذًا فبعثهما إلى اليمن، وقال: «اذهبا فبشِّرا ولا تنفِّرا، ويسِّرا ولا تعسِّرا، فإنه قد أُنزل عليَّ: {ياأيُّها النَّبيُّ إنَّا أرسلناكَ شاهدًا ومُبشِّرًا ونذيرًا} » (أخرجه ابن أبي حاتم وأخرجه الطبراني بإسناد مثله) . وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنه قال: «اجتمع عتبة وشيبة وأبو جهل وغيرهم فقالوا: أَسْقِطِ السماء علينا كِسَفًا، أو ائتنا بعذاب، أو أمطر علينا حجارة من السماء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما ذاك لي، إنما بعثت إليكم داعيًا ومبشِّرًا ونذيرًا» . فمهمَّة الرسول هي دعوة الناس لعبادة الله، ومكافحة الشرك والكفر، فهو السراج الَّذي يهديهم ويخرجهم من ظلام الشرك والكفر إلى نور الإيمان، وهذا لا يكون إلا بأمر من الله وبإذن منه جلَّ وعلا.
إن استناد مهمَّة النبي صلى الله عليه وسلم في الدعوة على قاعدتي التبشير والإنذار، قد ترك أثرًا عميقًا في نفوس المدعوين؛ لأن التبشير كان يمثِّل العامل التربوي الترغيبي، الَّذي يدفعهم باتِّجاه ما ينفعهم ويسعدهم، بينما كان الإنذار يمثِّل العامل التربوي الترهيبي، الَّذي يحجبهم عن كلِّ ما يضرُّهم ويؤذيهم.