الصفحة 255 من 1412

إلا أن الناس غير متساوين في فهمهم لما يُلقى إليهم، فمنهم من لا يتجاوز الكلام أسماعهم، ومنهم من تدخل الموعظة أذن أحدهم وتخرج من الأخرى، دون أن تترك وراءها أي أثر، والقلَّة القليلة منهم من تتَّحد الكلمة مع نفوسهم، وتولِّد شحنات من الحبِّ والتوجُّه إلى الله، كما تتَّحد ذرَّة الأوكسجين مع ذرَّتين من الهيدروجين، فتشكِّل ماءً يمدُّ الأحياء بأسباب الحياة ويروي العطاش. وهؤلاء يمثِّلون فئة المؤمنين الَّذين يخشون الله ويخافون أهوال يوم الحشر وشدَّة الحساب، وهم مَنْ يُرجى الخير من إيمانهم وتقواهم.

ولمثل هؤلاء المؤمنين يزفُّ الله البشارة على لسان رسوله الأمين، بأن لهم من الله فضلًا كبيرًا، وبأن آثار هذا العطاء الإلهي ستظهر في ذواتهم وأُسَرِهم ومجتمعاتهم، حيث ينقلب الظلم عدلًا، والخوف أمنًا، والفقر غنىً، والجهل علمًا. أخرج ابن جرير وعكرمة عن الحسن البصري أنه قال: لما نزل قوله تعالى: {ليغْفِرَ لك الله ما تَقدَّمَ من ذنبكَ وما تأخَّر..} (48 الفتح آية 2) قالوا: يارسول الله! قد علمنا ما يُفعل بك فماذا يُفعل بنا؟ فأنزل الله: {وبشِّرِ المؤمنين بأنَّ لهم من الله فضْلًا كبيرًا} .

والخلاصة: أن الداعية المأذون من حضرة الله، مشاهد لأنوار ربِّه بصفاء مرآة قلبه، وهو شاهد على مجتمعه، بصير بأمراضه، يحمل البشرى بالشفاء والعلاج لمن يعملون بإرشاداته ووصاياه، أمَّا من أعرض عنها فله الإنذار بسوء العاقبة وشرِّ المصير. وإن أعطيات الله تعالى تنال البشر كافة، ولكن بشائره تُزَفُّ للمؤمنين خاصَّة، وهي فضل كبير، وعطاء متميِّز يخصُّهم به سبحانه وتعالى بالسعادة الروحية في الدنيا والآخرة في ظلِّ عنايته ورعايته.

4 ـ منزلة النبي صلى الله عليه وسلم

سورة الأحزاب (33)

قال الله تعالى: {إنَّ الله وملائكَتَه يُصلُّون على النَّبي ياأيُّها الَّذين آمنوا صلُّوا عليه وسلِّمُوا تسليمًا (56) }

ومضات:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت