فهرس الكتاب
وتأتي البُشرى للرسول صلى الله عليه وسلم بأن له عند ربِّه أجرًا دائمًا موصولًا لا ينقطع، وهو الَّذي أنعم عليه بالنبوَّة ومقامها الكريم، وفي هذا الأجر إيناس وتسلية، وتعويض غامر عن كلِّ حرمان عاناه، وعن كلِّ جفوة لقيها، وعن كلِّ بهتان يرميه به المشركون، وقد قُرنت هذه البشرى ورُبطت بمدح خُلُقه صلى الله عليه وسلم في الآية الَّتي تلتها {وإنَّك لعلى خُلُقٍ عظيم} فكان الارتباط القائم بين الآيتين عبارة عن تَرتُّبِ النتائج على المقدِّمات؛ فأجر النبي لا ينقطع ولا ينفد، لأنه ذو خلق عظيم تسامى إلى درجة لا ينقطع معها أجر ولا يقلُّ ثواب، فمَعِيْنُ خلقه فيَّاض لا ينضب، ونبع حسناته متفجِّر لا يغيض، وهذا شرف عظيم لم يدرك شأوَه بشر، فربُّ العزَّة هو الَّذي يصف محمَّدًا بهذا الوصف الجليل. وقد كان من خُلُقه صلى الله عليه وسلم: حبُّ العلم، والحلم، وشدَّة الحياء، وكثرة العبادة، والسخاء، والصبر، والشكر، والتواضع، والزهد، والرحمة، والشفقة، وحسن المعاشرة، والأدب، إلى غير ذلك من الخلال العليَّة والأخلاق الرضيَّة. قالت السيِّدة عائشة رضي الله عنها في وصفه عليه السَّلام: (لم يكن يعيب أحدًا، ولا يجزي على السوء بسوء، بل كان يعفو ويصفح، وكان بعيدًا عن السيئات، إنه لم ينتقم من أحد لنفسه، ولم يضرب غلامًا ولا أَمَةً ولا خادمًا قط، بل لم يضرب حيوانًا، ولم يَرُدَّ سائلًا إلا إذا لم يكن عنده شيء) . وعنها رضي الله عنها قالت: «ما خُيِّر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين أحدهما أيسر من الآخر، إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس منه، وما انتقم رسول اللهصلى الله عليه وسلم لنفسه إلا أن تُنتهك حرمة الله عزَّ وجل» (رواه البخاري ومسلم) . وما أجمل ثناء الله عليه حين قال: لَقَد جاءَكُم رسُولٌ من أنفسِكُم عزيزٌ عليهِ ما عَنِتُّم حريصٌ عليكُم بالمؤمنينَ رؤوف رحيمٌ * فإن تَوَلَّوا فقُل حسبيَ