الصفحة 267 من 1412

هذه التجربة المريرة، مرَّ بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكنه خرج منها سليمًا معافى، بفضل الله وكرمه، فقد شرح الله صدره بالهدى والإيمان ونور القرآن، للقيام بأعباء الدعوة، فيسَّر له أمرها، وجعلها حبيبة إلى قلبه، وأنار له الطريق حتَّى وجد الرَّوح والانشراح والإشراق والنور، ووجد في حسِّه مذاق هذا العطاء، والمتعة مع كلِّ مشقَّة، والراحة مع كلِّ تعب، واليسر مع كلِّ عسر، والرِّضا مع كلِّ حرمان. وقد حطَّ الله تعالى عن الرسول الكريم ما أثقل ظهره من أعباء الرسالة، وذلَّل له الصعاب في طريق التبليغ، وجعل نفسه مطمئنة به راضية، كما يرضى الأب بتحمُّل مشقَّة العمل من أجل إسعاد أبنائه؛ فيتحمَّل الشدائد وهو راضٍ بما يقاسي في سبيل رعايتهم، وتنشئتهم وتأمين مستلزماتهم.

أمَّا قوله تعالى: {ووضعنا عنك وِزْرَك} فمعناه: غفرنا لك ذنبك، كقوله تعالى في آية أخرى: {لِيَغْفِرَ لك الله ما تقدَّمَ من ذنبكَ وما تأخَّر..} (48 الفتح آية 2) . وليس المراد بالذنوب المعاصي والآثام، فإن الرسل معصومون من مقارفة الآثام، ولكنَّها أخطاء الاجتهاد فيما لم يأته بشأنه وحي؛ كإذنه صلى الله عليه وسلم للمنافقين في التخلُّف عن الجهاد حين اعتذروا، وعبوسه في وجه الأعمى، وقبوله الفداء من أسرى بدر.

ولا تخفى الحكمة الإلهية من ذلك، فقد تَرَكَ الله الرسول صلى الله عليه وسلم يجتهد ويخطئ، ليصحِّح له هذا الخطأ ويعاتبه عليه، وفي هذا العتاب ما فيه من الدلالة على أن القرآن ليس من عنده، وإنما هو قول ربِّ العالمين سبحانه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت