فهرس الكتاب
وتتَّصل الآيات من سورة الانشراح بسورة الضحى، فتتابع ذكر النعم الَّتي أتمَّها الله على نبيِّه تكريمًا لمنزلته، ورفعة لشأنه، وتأييدًا لموقفه، فيأتي بها الخطاب الإلهي مبيِّنًا وموضِّحًا لصور متفاوتة في الفضل والامتنان الَّذي امتنَّ الله به عليه صلى الله عليه وسلم ؛ كشرح الصدر، والطهارة من الذنوب والأوزار، ورفيع المنزلة والقدر في الدنيا والآخرة.
فما أحوج الداعية المؤمن في غمرة معاناته إلى صفة سعة الصدر وانشراحه؛ ليتمكَّن من المتابعة، ومن التغلُّب على التيَّارات النفسية الَّتي تتجاذبه، وتولِّد لديه شعورًا بالإرهاق الفكري والجسدي، إلى جانب سيطرة الشعور باليأس والإحباط، وبشدَّة الضيق الَّذي يكاد يخنق صدره، وكأنَّه يحمل جبال الأرض همومًا وأتراحًا. ذلك أن التعامل مع الناس عمومًا في الأمور الحياتية يولِّد العناء والمشقَّة، فما بالك بدعوتهم إلى الإيمان بالله الواحد الأحد، وحثِّهم على تغيير معتقداتهم الخاطئة الَّتي توارثوها منذ مئات السنين. هل من عناء أشدُّ من هذا العناء تجاه مقاومتهم وصدِّهم وإعراضهم بل إيذائهم له وقتالهم إياه؟ وهل من مشقَّة تفوق هذه المشقَّة؟. ولكنَّ المؤمن الَّذي اتَّصل قلبه بالحضرة الإلهية، وأحاطت به العناية الربانية، يتلقَّى منها المدد والسند عبر نفحات نورانية تثلج صدره، وتنعش فؤاده، وتحطُّ عنه أوزاره وعناءه، فيشعر بشفافية في روحه، ورقَّة في مشاعره، وهدوء في أعصابه، نتيجة المعالجة الربَّانية الَّتي تزيل ركام الهموم والمشقَّات عن جسده وروحه، وطريق مسيرته، لأجل نصرة دين الله وإيصال هديَّة الله الغالية النفيسة إلى عباده الأخيار.