الصفحة 265 من 1412

وبعد أن عدَّد تعالى هذه النعم الثلاث، وصَّاه بثلاث وصايا تقابلها فقال: فأمَّا اليتيم فلا تقهر، أي لا تحتقره ولا تغلبه على ماله، وجَمِّلْهُ بالأدب وهذِّبه بمكارم الأخلاق، ليكون عضوًا نافعًا في مجتمعك؛ لأن من ذاق مرارة الضيق في نفسه، فهو جدير بأن يستشعرها في غيره، وقد كان صلى الله عليه وسلم يتيمًا، فباعد الله عنه ذلَّ اليتم وآواه، فَمَنْ أَوْلى منه بأن يُكرِّم اليتيم شكرًا لله على نعمته. وأمَّا السائل المستجدي، فلا تزجره ولا تُغلِظ له القول، بل تفضَّل عليه بشيء أو ردَّه ردًّا جميلًا، وقد يكون المراد من السائل طالب الحقيقة والعلم، وهو أيضًا ممَّا ينبغي الرفق به، وبيان ما أشكل عليه من الأمر. وعليك أيُّها الرسول أن توسِّع على الفقراء ببذل مالك، وأن تفيض عليهم من النعم الأخرى، روى ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تعالى: {وأمَّا بِنِعْمة ربِّك فحدث} قال: (بالقرآن، وعنه قال: بالنبوَّة، أي بلِّغ ما أرسلت به) . وعن الحسن بن علي رضي الله عنهما قال: (إذا أصبت خيرًا، أو عملت خيرًا، فحدِّث به الثقة من إخوانك) . وروى الشعبي عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من لم يشكر القليل، لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، والتحدُّث بالنعم شكر، وتركه كفر (أي كفر بها) والجماعة رحمة والفرقة كفر» (أخرجه ابن أبي الدنيا في اصطناع المعروف وعبد الله ابن أحمد بإسناد لابأس به) . وروى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الله جميل يحبُّ الجمال، ويحبُّ أن يرى أثر نعمته على عبده» (أخرجه البيهقي ـ أمَّا المقطع الأوَّل منه فأخرجه مسلم والترمذي عن ابن مسعود رضي الله عنه ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت