ولم يكتفِ النبي صلى الله عليه وسلم بجعل المدينة جامعة يأوي إليها طلاب العلم، بل وسَّع هذه الدائرة لتشمل الجبال والوديان والأعراب في باديتهم، فكان بحقٍّ الثائر الأوَّل ضدَّ الجهل والتخلُّف، وإمام النهضة العلمية، في تاريخ البشريَّة جمعاء، وها هو ذا يطلب إلى قبيلة متعلِّمة أن تعلِّم قبيلة جاهلة، ويطلب إلى القبيلة الجاهلة، أن تأوي إلى دور العلم كي تتعلَّم، أو يَلْحَقَ الطرفين عذاب شديد في الدنيا قبل الآخرة، فقد حمَّل العالم مسؤولية التعليم، وحمَّل الجاهل مسؤولية الهجرة إلى المعلِّم، والبحث عنه والأخذ من علومه، إذ أن العلم والتعلُّم والتعليم إجباري في ظلال دين الله الخالد، فعن علقمة بن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه عن جدِّه قال: «خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فأثنى على طوائف من المسلمين خيرًا، ثمَّ قال: ما بال أقوام لا يُفقِّهون جيرانهم ولا يُعلِّمونهم ولا يعظونهم، ولا يأمرونهم ولا ينهَوْنهم، وما بال أقوام لا يتعلَّمون من جيرانهم ولا يتفقَّهون ولا يتَّعظون؟ والله ليُعَلِّمَنَّ قوم جيرانهم ويُفقِّهونهم ويعظونهم ويأمرونهم وينهَوْنهم، ولَيَتَعَلَّمَنَّ قوم من جيرانهم ويتفقَّهون ويتَّعظون أو لأعاجلنَّهم العقوبة ثمَّ نزل. فقال قوم: من ترونه عنى بهؤلاء؟ قالوا: الأشعريِّين هم قوم فقهاء، ولهم جيران جفاة من أهل المياه والأعراب؛ فبلغ ذلك الأشعريِّين، فأَتَوْا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يارسول الله ذكرت قومًا بخير وذكرتنا بشرٍ فما بالنا؟ فقال: ليُعلِّمنَّ قوم جيرانهم وليعظُنَّهم وليأمُرُنَّهم، وليتعلَّمنَّ قوم من جيرانهم ويتَّعظون ويتفقَّهون، أو لأعاجلنَّهم العقوبة في الدنيا، فقالوا يارسول الله! أنُفَطِّنُ غيرنا؟ فأعاد قوله عليهم فأعادوا قولهم: أنفطِّن غيرنا؟ فقال ذلك أيضًا فقالوا أمهلنا سنة فأمهلهم سنة ليفقِّهوهم ويعلِّموهم ويعظوهم» (رواه الطبراني في الكبير) .