وقد قدَّم الله تعالى الجِنَّ على الإنس في الخطاب، لأن الإنسان ظاهر العجز عن الطيران، بقواه الذاتية، فهو غير مهيَّأ للطيران، بينما الجنُّ يطيرون في الفضاء، ويتمتَّعون بقوى خارقة. وفي هذا التقديم تنبيه لهم أوَّلًا أنهم معنيُّون بالأمر قبل غيرهم، وثانيًا أن قدراتهم وقواهم مقيَّدة بإرادة الله تعالى وقدرته، فهم لا يستطيعون عنها حِوَلًا، ولو أراد الله أن يمنعهم فإن أمره نافذ لا محالة. أمَّا الإنسان فإن له شأنًا آخر، فهذه الآية تثير تساؤله وتفكيره في أمر لم يكن يخطر له على بال، بل وكان يُعَدُّ ضربًا من ضروب الخيال. ويفتح القرآن الكريم بذلك ـ وهو خاتم الكتب السماوية ـ آفاق المستقبل أمامه بحضِّه على الأخذ بالعلم، وهو يطرح إمكانيَّة الصعود إلى أرجاء السماء في قوله {فانفذوا} ، لكنه يقيِّد ذلك بالحصول على إمكانات معيَّنة سمَّاها بالسُّلطان، ويترك للإنسان أمر البحث عنها ومعرفتها، من أجل تحقيق هذا الهدف. وبالفعل فإننا نرى الإنسان، وبِمَلكةِ العقل والتفكير الَّتي وهبه الله إيَّاها، وفضَّله بها على غيره، يبحث بِجِدِّيَّةٍ وتصميم عن السلطان، الَّذي يكون له أداة ووسيلة، يخترق بها حجب الفضاء، ويتعرَّف بواسطتها المزيدَ ممَّا خلق الله تعالى، ملبِّيًا لندائه عزَّ وجل في قوله: {قلْ انظروا ماذا في السَّمواتِ والأرضِ..} (10 يونس آية 101) . ولا تقتصر الدعوة في هذه الآية على استعمال العين، بل تتعدَّاها إلى البحث والتجربة والاكتشاف، لأنه لا يمكن للعين المجرَّدة أن تحيط ببصرها بسماء واحدة فما بالنا بسموات متعدِّدة. والغاية من هذه الدعوة الإلهيَّة، استثارة هِمَّة الإنسان واستنهاض عزيمته، ليرى ما خلق الله ويتفكَّر به تفكُّر التَّدبُّر والإمعان، ومن ثمَّ الإذعان عن رضا لمن بيده مقاليد السموات والأرض، بعد أن يرى بعينيه تناسق هذا الكون وروعته وكماله، ممَّا لا يدع مجالًا للشَّك في أنَّ لهذا الكون، المتناهي في