الدِّقة، مبدعًا عظيم الخلق والإبداع، ومن ثمَّ ليستفيد من ذلك كلِّه في تقدُّمه ورقيِّه الحضاري.
إن أمَّة تؤمن بمثل هذا الكتاب وما فيه من توجيهات وتعاليم، جديرة بأن تملأ طباق الأرض علومًا، وهذا ما بدأه المسلمون الأُوَل، فقد أصبحوا بفضل هذا الدِّين وما يدعو إليه؛ غُرَّةً في جبين الدهر، ولكن ومع بالغ الأسف، مرَّ على المسلمين حينٌ من الدهر، اكتفَوْا فيه من القرآن الكريم بالتلاوة، من أجل الثواب والبركة، وغفلوا عما فيه من حثٍّ دائم على الأخذ بأسباب العلم والتصنيع والبناء. فأدركوا إسلام الآخرة وفاتهم إسلام الدنيا، مع أن المسلم مأمور أن يدعو ربَّه قائلًا: {..ربَّنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار} (2 البقرة آية 201) ونجده قدَّم إسلام الدنيا على إسلام الآخرة، حثًّا عليه وتنبيهًا إلى عدم تضييعه، وفي الوقت نفسه أدرك الأوربيون ذلك عندما جاؤوا إلى مدارس الحضارة الإسلامية، في العصور الوسطى متعلِّمين، وبدؤوا بتطبيق ما تعلَّموه فيها، بينما انصرف المسلمون إلى التَّناحُر والتَّباغُض، وانزلقوا في تُرَّهات الجهل والظلام، وراحوا في سبات عميق امتدَّ بهم عدَّة قرون. ولا يخفى أن استخلاف الله عزَّ وجل الإنسان على هذه الأرض، قائم على العلم، منذ أن علَّم آدم الأسماء كلَّها، وهذا أساس دعوة الإسلام الَّتي رعت عصارة الفكر البشري، وحضاراته المتعاقبة، منذ وُجد على هذه الأرض، وأعطته الفرصة لكي يتطوَّر بمرور الزمن. وهكذا فإن على الإنسان ألا يدَّخِر جهدًا في مواصلة مسيرته العلمية، لمعرفة واستكشاف ما خلق الله له وسخَّره من أجله، لتتهيَّأ له فرص الاستفادة منه، وليُثبت جدارته بهذا العقل الَّذي من أولويَّات مهامِّه، التعلُّم والتعليم، ليُسهم في بناء الصرح الأخلاقي والحضاري، قال تعالى: ألم تَرَوْا أنَّ الله سَخَّرَ لكم ما في السَّمواتِ وما في الأرضِ وأسْبَغَ عليكم نِعَمَهُ ظاهِرَةً وباطنَةً