الصفحة 392 من 1412

فالعقيدة هي الأساس الَّذي تقوم عليه قيم المجتمع، والمنبع الَّذي تصدر عنه النظم والقوانين الَّتي تحكم سيره، فإن كانت صحيحة وسليمة آتت ثمارها في المجتمع تحضُّرًا ورقيًّا، وإن كانت فاسدة ومشوَّهة أورثت في المجتمع تخلُّفًا وتمزُّقًا، وأصبح على شفا حفرة من الهلاك والدمار المتربِّصَيْن به. ولما كانت الأخلاق الفاضلة من أهمِّ الدعامات الَّتي تحمي صرح المجتمعات الإنسانية؛ كانت الصلة بينها وبين العقيدة صلة وثيقة، بحيث لا يمكن أن تسود في مجتمع ما، إن لم تكن مرتكزة على أساس متين من العقيدة الصحيحة، الَّتي تضع الموازين، وتقرِّر القيم، كما تحدِّد السلطة الَّتي تخضع لها هذه الموازين والقيم، والجزاء الَّذي تملكه حيال كلٍّ من الملتزمين والمخالفين؛ فقبل تقرير تلك العقيدة تكون القيم متأرجحة، لأنها فقدت عناصر الضبط والسلطة والجزاء.

وعندما تقرَّرت عقيدة التَّوحيد في ظلِّ الإسلام، وعرف الناس ربَّهم وعبدوه وحده، وتحرَّروا من سلطان الأهواء والشهوات، تطهَّر المجتمع من الظلم الاجتماعي بجملته. وقام النظام الإسلامي يَعْدِل بعدل الله، ويَزِنُ بميزان الله، ويرفع راية العدالة الاجتماعية باسم الله وحده، دون أن يحتاج الأمر إلى العقوبات الَّتي شرعها الله إلا فيما ندر؛ لأن الرقابة انبثقت من الضمائر والقلوب، ولأن الطمع تسامى حتَّى صار طمعًا في رضوان الله تعالى، وكذلك أضحى الحياء من حضرته تعالى، والخوف من غضبه، خُلقان يُتوِّجان سلوك المؤمن في مجتمع ارتقى بأفراده أعلى مراتب الفضيلة، وأسمى درجات العدالة، فأصبحوا في غنى عن رقابة السلطة والقضاء، لأن الرقابة الذاتيَّة جعلت من كلِّ فرد خصمًا وحكمًا في الوقت نفسه. وهكذا ارتفعت البشرية في نظامها، وأخلاقها، بل في حياتها كلِّها، إلى أعلى قِمَّة في الإنسانية ما كانت لترتفع إليها إلا في ظلِّ الإسلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت