على أنَّ هذا الحبَّ لا يتنافى مع محبَّة الزوج والولد والأهل والعشيرة، مادامت هذه المحبَّة تابعة للحبِّ الإلهي، وغير مانعة له من النُّموِّ والسُّموِّ والوصول إلى الكمال. فمحبَّة الزوج والولد والعشيرة فطريَّة ومتأصِّلة بقلب الإنسان وعاطفته، وهي محمودة إلا إذا صرفته عن المَثَل الأعلى، وأعاقته عن النهوض لخدمة دينه ونفع وطنه. وهذا هو هدي القرآن الكريم وأسلوبه الحكيم، إذ أنَّه لا يبخس الفطرة حقَّها، فهو يقيم العلاقة الزوجيَّة على أساس من المودَّة المشتركة بين الزوجين، قال تعالى: {ومن آياتِهِ أن خَلَقَ لكم من أنفسكُمْ أزواجًا لتسكُنُوا إليها وجعلَ بينكم مودَّةً ورَحمةً إنَّ في ذلك لآياتٍ لقومٍ يتفكَّرون} (30 الروم آية 21) . كما أنه يمنح الولد حقَّه من الرِّعاية والحنان، وينكر على من يجافي هذه الفطرة وَيَصِمُهُ بالقسوة والجفاء؛ فقد جاء أعرابي إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: «أتُقبِّلون الصبيان؟ فما نُقبِّلهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أَوَ أملك أن نزع الله من قلبك الرحمة؟» (رواه البخاري ومسلم) . وهكذا يساير الإسلام الفطرة ويعطي كلَّ ذي حقٍّ حقَّه، ويفتح القلب الإنساني لحبِّ الله الَّذي لا حياة إلا به. وقد أثبت الله سبحانه وتعالى هذه المحبَّة للمؤمنين فقال: {..والَّذين آمنوا أشدُّ حبًّا لله..} .