الصفحة 411 من 1412

استيعاب معانيه فكريًّا، والارتشاف من أنواره روحيًّا، لذلك فقد كانت له مكانة مميَّزة وخاصَّة.

أمَّا صلاة الليل فهي تزرع في قلب المسلم الإرادة الفولاذية، وتسمو بروحه إلى معارج الحبِّ الإلهي، قال تعالى: {إنَّ ناشِئَةَ اللَّيلِ هيَ أشدُّ وَطأً وأَقْوَمُ قِيْلًا} (73 المزمل آية 6) . ففي هذه الآية يدعو الله تعالى رسوله ليسبِّحه في صلاة الليل، لما فيها من عظيم الثواب، إذ أن العبادة في الليل أشقُّ على النفس، وأبعد عن الرِّياء، قال تعالى: {ومِنَ اللَّيلِ فتهجَّدْ به نافِلةً لك عسى أن يبعثَكَ ربُّك مقامًا محمودًا} (17 الإسراء آية 79) وفي الحديث الشريف: «من خاف ألا يقوم من آخر الليل فليوتر أوَّله، ومن طمع أن يقوم آخره فليوتر آخر الليل فإن صلاة آخر الليل مشهودة وذلك أفضل» (رواه مسلم والترمذي عن جابر رضي الله عنه ) . ولعل أجمل ساعات الوصال والاتصال بالحضرة الإلهية، هي ساعات الثلث الأخير من الليل، حيث تحلو المناجاة، وتنسكب العبرات عشقًا وشوقًا للواحد الغفَّار. عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام، ثلاث عقد، يضرب على كلِّ عقدة: عليك ليل طويل فارقد، فإن استيقظ فذكر الله تعالى انحلَّت عقدة، فإن توضَّأ انحلَّت عقدة، فإن صلَّى انحلَّت عقدة، فأصبح نشيطًا طيِّب النفس، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان» (متفق عليه) . وإن ليل القائم يتنوَّر بنور عبادته مثل وجهه، فقد سئل الحسن البصري: [ما لنا نرى وجوه قوم منوَّرة؟ فقال: خَلَوْا بالرحمن فألبسهم نورًا من نوره] . وإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم قد أُمِرَ من قِبَل الله تعالى بالصَّلاة والتهجُّد وتلاوة القرآن، ليُبعث المقام المحمود، وهو المصطفى المختار الَّذي كان يُمْضِي الليل واقفًا بين يدي الله تعالى، يناجيه ويدعوه ويتصل به، ويصلِّي له حتَّى تتورَّم قدماه، فإذا كانت حالة الرسول صلى الله

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت