فهرس الكتاب
وقد صرَّحت الآية الكريمة بأن الصَّلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، فكيف لا ينتهي عن ذلك هؤلاء المصلُّون! ذلك أن للصلاة مظهرًا خارجيًا، وجوهرًا وحقيقة، فحركات الصَّلاة من قيام وقعود وسجود هي مظهر الصَّلاة وهذا ظاهر العبادة، وهذه الحركات يؤدِّيها سائر المصلِّين، أمَّا الوصول إلى جوهر الصَّلاة، فهذا من عمل القلب لا الجوارح، إلا أنه لا يمكن إدراكه بالعين المجرَّدة، كما لا يمكن أن نحكم على مستوى صلاة المصلِّي إلا بمقدار ما تنعكس آثار هذه الصَّلاة في أعماله وتصرُّفاته. فالمصلِّي المرتكب للفواحش، لا حظَّ له من صلاته إلا القيام والقعود، بخلاف المصلِّي الورع الَّذي تنعكس آثار الصَّلاة وخيراتها في مطلق أعماله وتصرُّفاته، وتهيمن عليه في حالتي الرضا والسخط والعطاء والمنع؛ فيكون من عداد المصلِّين الَّذين استثناهم الله تعالى، بخروجهم عن الأوصاف الملازمة للإنسان الخام، الَّذي لم يدخل مدرسة الصَّلاة وذلك في قوله جلَّ من قائل: {إنَّ الإنسانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إذا مسَّهُ الشَّرُّ جَزوعًا * وإذا مسَّهُ الخيرُ مَنُوعًا * إلاَّ المصلِّين * الَّذين هم على صلاتِهِم دائمون} (70 المعارج آية 19ـ23) . وهذا مايؤكِّده رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربِّه « ليس كلُّ مصلٍٍّ يصلِّي، إنما أتقبَّل الصَّلاة ممَّن تواضع لعظمتي، وكفَّ شهواته عن محارمي، ولم يصرَّ على معصيتي، وآوى الغريب، كلُّ ذلك لي …» (رواه الديلمي عن حارثه بن وهب)