الصفحة 424 من 1412

وقد ثبت طبيًّا أن الصِّيام يزيل الموادَّ المترسِّبة في الجسم، ويجفِّف الرطوبات الضارَّة، ويطهِّر الأمعاء من السموم الَّتي تحدثها البِطنة، ويذيب الشحوم ذات الخطورة الشديدة على القلب، وقد قال أحد أطباء الغرب عنه: [إنه جرَّاح ذهني، يشفي من العلل دون استعمال مشرط أو إراقة دم] . والصِّيام يقوِّي الإرادة، ويعوِّد النفس على الصبر والاحتمال، فيواجه الإنسان الحياة بشجاعة، وبقدر ما تقوى الإرادة يضعف سلطان العادة ويقوى سلطان العبادة، وبذلك تتاح الفرصة لهجر الكثير من العادات السيئة. والصِّيام يحقِّقُ نوعًا من المساواة بين الأغنياء والفقراء، ويفجِّر ينابيع الرحمة والعطف في قلوب الأغنياء، بعد أن يذوقوا معاناة مَن ضاقت بهم سبل الرزق، ممَّا يؤدِّي إلى حفز استعداداتهم لمواساتهم، فتتآلف القلوب، وتتلاشى الأحقاد، ويتآزر الجميع للنهوض بالمجتمع وتوفير الطمأنينة في أرجائه.

والصِّيام ليس مجرد إمساك عن المفطرات، وإنما هو هجرٌ لجميع المعاصي والسيئات فلا يحلُّ للصائم أن يتكلَّم إلاَّ حسنًا، ولا يفعل إلاَّ جميلًا. قال صلى الله عليه وسلم: «الصِّيام جُنَّة، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب ولا يجهل، فإن شاتمه أحد أو قاتله فليقل إني صائم، إني صائم» (أخرجه أحمد ومسلم والنَّسَائي) . وبهذا يكون الصِّيام درسًا عمليًا في تعويد النفس على الفضائل، وحملها على الاتِّصاف بكلِّ ما هو حسن في جميع الحالات، وإلا فإنه سيتحوَّل إلى مجرَّد عمل شاقٍّ لا يحتوي أي مضمون، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كم من صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش» (أخرجه النَّسَائي وابن ماجه) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت