الصفحة 580 من 1412

فصاحب النفس المزكَّاة ينسب جميع النعم الَّتي تصيبه لفضل الله، وكلَّما ازدادت عليه زحفًا وإقبالًا، ازداد تواضعًا وشكرًا، أسوة بالمزكِّي الأعظم محمَّد صلى الله عليه وسلم ، الَّذي لم يزده العزُّ إلا تواضعًا، ولم يزده التواضع إلا رفعة وعظمة. لقد عاد إلى بلده مكَّة فاتحًا، وأكرمه الله بنصرة الإسلام وإعلاء كلمته، فعندما دخلها طأطأ رأسه على ناقته تذلُّلًا لله، حتَّى كاد أن يمسَّ جبينه الشريف رحل ناقته. فهنا يكمن سرُّ عظمة الرجال القادة، ومن هنا نتبيَّن أن على الإنسان أن يقابل نعم الله بالشكر والعرفان، وطلب الغفران عن كلِّ ما يبدر منه من الهفوات والزَّلات، وأن يتحلَّى بالتواضع والاتِّزان في أحلى ساعات نجاحه، فلا يفتتن بما يحقِّقه من فوزٍ وانتصار في أيِّ مجال، ولا يدع نشوة الفخار تطير بصوابه إعجابًا بما أنجزه، فيفقد بذلك القدرة على التبصُّر والإدراك. بل إن عليه، وهو في قِمَّة نشوته وسعادته ألا ينسى فضل الله عليه الَّذي أوصله إلى الفلاح، وأن يزداد تواضعًا له، ويذكر المستضعفين في الأرض فيظلُّهم برعايته وعنايته، ويتعاون معهم على بناء المجتمع الحرِّ الكريم، وتحقيق رسالة السَّلام في زرع المحبَّة والإخاء والإعمار في كلِّ أنحاء المعمورة. وفي هذا كبح لأهوائه وتقييد لأطماعه الَّتي يمكن أن تزلَّ به إلى ما لا تحمد عُقْباه. وعليه أن يشكر المنعم الَّذي من صفاته السامية أنه يزيد النعم لمن شكر، فهو القائل عزَّ وجل: {..لَئِن شكرتُمْ لأزيدَنَّكُمْ..} (14 إبراهيم آية 7) فَحَقُّ النِّعَمِ الشكر عليها، ودوام الشكر سبب زيادتها.

الفصل الثالث:

الأمانة

سورة النساء (4)

قال الله تعالى: {إنَّ الله يأمرُكُم أن تُؤَدُّوا الأماناتِ إلى أهلها وإذا حَكمتم بين النَّاس أن تحكُموا بالعدلِ إنَّ الله نِعِمَّا يَعظُكُم به إنَّ الله كان سَميعًا بَصيرًا (58) }

ومضات:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت