فهرس الكتاب
زرع الإسلام في أعماق المسلم القناعة وهي: الرضا بالميسور، واليأس ممَّا في أيدي الناس، وذلك لئلا يتعلَّق قلبه بالمادِّيات فتصبح هدفه، أو يصبح الإكثار منها غاية طموحه. وطلب منه في الوقت نفسه أن يسعى للكسب الحلال بكلِّ جهده شريطة أن يسخِّر بعضًا من عطاء الله في سبيل خدمة عباد الله، بحيث تتوازن نفسيَّة المسلم، فلا يشعر بالقلق إن قلَّ نصيبه من الدنيا أو كثر، لأن الرزق الحقيقي هو غنى النفس ورضاها بما قسمه الله من عطاء مادِّي وروحي. عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليس الغنى عن كثرة العرض ولكن الغنى غنى النفس» (رواه الشيخان والترمذي) ، وعنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من يأخذ عني هؤلاء الكلمات فيعمل بهنَّ أو يعلِّم من يعمل بهنَّ، قلت أنا يارسول الله، فأخذ بيدي وعدَّ خمسًا وقال: اتَّقِ المحارم تكن أعبد الناس، وارضَ بما قسم الله تكن أغنى الناس، وأحسن إلى جارك تكن مؤمنًا، وأحبب للناس ما تحبُّ لنفسك تكن مسلمًا، ولا تكثر الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب» (رواه الترمذي والإمام أحمد) .
وهذا درس عملي تطبيقي يدرِّب الله عباده المؤمنين عليه لتزكو نفوسهم وتسمو فوق المادِّيات؛ فهو يأمرهم بأن يتَّجهوا إليه بالعبادة، وألا ينبهروا بما في أيدي المترفين وأن لا يتمنَّوا زواله من أيديهم ليمتلكوه هم، فإنَّما النعيم الَّذي ينعمون به زهرة ذابلة، ونعمة زائلة، كالزهرة تجدها نضرة عطرة، ولكنها سريعة الذُّبول على ما بها من رونق وجمال. فهذه النعمة موضوع اختبار لهم، بحيث تكشف عن معادنهم وسلوكهم، وكيفية تصرفهم بها أثناء جريانها بين أيديهم، وثواب الله الدائم خير من النعيم الفاني، فهو رزق للنعمة لا للفتنة، رزق طيِّب باق لا يحول ولا يزول.