الصفحة 602 من 1412

من جهة ثانية فقد اهتمَّ الإسلام كثيرًا بإشاعة الجو التعبُّدي ضمن العائلة، وجعل ذلك مسؤولية ربِّ العائلة، فالرجل مأمور أن يتابع أفراد عائلته في صلاتهم وصومهم وسائر عباداتهم، وعليه بالصبر والحلم والأناة أثناء المتابعة، وألا يشعر بالملل واليأس في تحمُّل هذه المسؤولية، ولا يغتمَّ من أجل تحصيل الرزق، بل يتَّقي الله تعالى في سائر أموره فيأتيه الرزق من حيث لا يحتسب، قال تعالى: {..ومن يتَّقِ الله يجعَلْ لهُ مَخْرَجًا * ويَرْزُقْهُ من حيثُ لا يحتسِبُ..} (65 الطلاق آية 2ـ3) وأخرج ابن المنذر والطبراني وأبو نعيم في الحلية عن عبد الله بن سلام رضي الله عنه قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا نزلت بأهله شدَّة أو ضيق أمرهم بالصَّلاة وتلا: {وأْمُرْ أهلكَ بالصَّلاة} » . وعن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من كانت الدنيا همَّه فرَّق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأتِ في الدنيا إلا ما كُتِبَ له، ومن كانت الآخرة نيَّته جمع له أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة» (رواه ابن ماجه بإسناد صحيح) . فأوَّل واجبات المسلم أن يحوِّل بيته إلى بيتٍ مسلم، وأن يوجِّه أهله إلى أداء الفريضة الَّتي تصلهم بالله تعالى، فتوحِّد اتجاههم العلوي في الحياة، وأن لا يخدعوا بزخارف الحياة الدنيا الفانية الَّتي يتمتع بها المترفون في هذه الدنيا، فهي حظُّهم من الوجود ثمَّ ينقلبون عنها شرَّ منقلب، قال الله تعالى: {..وسَيَعْلَمُ الَّذين ظَلَمُوا أيَّ مُنْقَلَبٍ ينقلِبُون} (26 الشعراء آية 227) . إن العاقبة الحسنة والحياة الأبديَّة الناعمة هي من نصيب المتَّقين، الَّذين عزفوا عن التعلُّق بالدنيا وزخارفها على الرغم من انهماكهم بها، وأقبلوا على ربِّهم بما يحبُّ من القول والعمل والصفات فكانوا هم الفائزون.

الفصل السادس:

الصِّدق

سورة التوبة (9)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت