الصفحة 635 من 1412

وقد درج المجتمع البشري القديم بأَسْرِهِ، بما في ذلك اليونان والرومان، على إهانة المرأة، فَعَدَّها بعضهم مخلوقة من نسل الشيطان، وَعَدَّها بعضهم الآخر خادمة للرجل السيِّد وجارية عنده، وكانت بعض القبائل العربية في المجتمع الجاهلي تَئِد البنات، فيدفن الأب ابنته في التراب عقب ولادتها خشية العار. فجاء الإسلام ليردَّ لها كرامتها، ويُبدِّل ظلمة قلوب الناس إلى نور وَضَّاء، ويحيل قسوتهم تجاهها رحمة؛ فهذا كتاب الله يأتي بالقول الفصل في قضية الدفاع عنها، ويغوص في أعماق العالم الداخلي للإنسان الجاهلي ليشعره بالخجل من فعلته، ويرصد حركاته الداخلية والخارجية رصدًا دقيقًا، فهو حين يُبشَّر بالأنثى يَعَدُّ ذلك نعيًا يعود عليه بالعار والذل بين قبيلته، فتنقبض أسارير وجهه، ويتقطَّب جبينه، ثمَّ يَنْسَلُّ من بين الناس وكأنه لصٌّ يخشى أن يُضبط متلبِّسًا بجريمته، حتى إذا انفرد بنفسه، وقع فريسة صراع نفسي لا أقسى ولا أمر، هل يحتفظ بالمولودة ويعرِّض نفسه للذل والعار بين أفراد قبيلته؛ لتعيش في بيته مقهورة ذليلة، لا ترث ولا تتمتع بأي امتياز يحظى به الذَّكر؟ أم أنه يلقي بحمله الثقيل في ثنايا التراب، فيدفنها ويدفن معها ما يظنه عارًا، مخمدًا صوت الحياة الَّذي يصدح في صدرها؟؛ إنه في الحالتين مجرم آثم، لأنه لم يتقبَّل هبة الله بما تستحقُّ من التكريم وحسن الوفادة. إن ما يفعله هذا السفَّاح اعتداءٌ على حقوق الله واستهانة بمخلوقاته، وخروج عن قوانينه، وقد قبَّح الله تعالى عمل هؤلاء وأظهر فظاعة جرمهم بقوله: {وإذا الموؤودَةُ سُئِلَتْ * بأيِّ ذنبٍ قُتِلت} (81 التكوير آية 8ـ9) . إن مجرد تصوُّر عملية خلق الإنسان في معمل الرحم، وكيف تتطور النطفة المهينة إلى إنسان سوي لجدير بأن يهز ضمير الإنسان، وأن يحفزه على احترام بذرة الحياة وهي تُصَنَّع في هذا المعمل العظيم، وتحمله على حُسن استقبالها حين تخرج إلى النور، فكيف يغتمُّ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت