فهرس الكتاب
إن الغريزة الجنسية هي أعنف الغرائز وأشدُّها على الإطلاق. ولاشك أن التبذُّل مثير لهذه الغريزة ومطلق لها من عقالها، وأن وضع الضوابط والحدود والقيود أمامها يخفِّف من حدَّتها، ويلطِّف من شدَّتها، ويهذِّبها تهذيبًا جديرًا بالإنسان وكرامته. من أجل ذلك تناول القرآن الكريم ملابس المرأة بشيء من الاهتمام، وما توجيه الخطاب إلى أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وبناته، والنساء المؤمنات، إلا دليلٌ على أن جميعهن مطالبات بتنفيذ هذا الأمر دون استثناء، مهما بلغن من العفَّة، ولو كنَّ في مستوى طهارة بنات النبي صلى الله عليه وسلم ونسائه. وإذا أردنا أن نفهم آيات الأحكام في القرآن الكريم، فعلينا أن ندرس أسباب نزولها، والأجواء المحيطة بنشأة هذه الأسباب. والحقيقة أن من الأسباب الظاهرية لهذا الأمر هو تمييز المرأة الحرَّة من المرأة الأَمَة، حتَّى لا يحاول أصحاب النفوس الخبيثة التحرش بها. فقد كانت المدينة المنورة مركزًا لأوَّل تجمُّع إسلامي ظهر للوجود، كما كانت مركزًا تجاريًا هامًا يقصده الأعراب من كلِّ صوب، منهم الصالح ومنهم الطالح، وكان أصحاب النوايا السيئة يترصَّدون بالجواري والقينات لأنه لم يكن لهن قيمة اجتماعية تحميهن من التحرش بهن والتطاول عليهن، فما كانت الأَمة بنظر ساداتها سوى سلعة تباع وتُشترى، لذلك تعيَّن على السيدة الحرَّة أن تظهر بلباس معيَّن يميِّزها عن الجارية ويصون كرامتها. ولكن هذا لا يعني أن نَقْبَلَ ونحن في حضارة القرن العشرين، بتبرُّج المرأة واستهتارها بمبادئ الأخلاق والكرامة والشرف بحجَّة انتهاء عهد الرقيق، فللجلباب غاية أرقى وأسمى من مجرَّد تمييز الحرَّة عن الجارية، وهذه الغاية هي تزويد المرأة بالوسائل الَّتي تكفل لها المشاركة في العمل البنَّاء، الَّذي يوافق فطرتها ومهمَّتها الأساسية في كلِّ ما يخدم المجتمع، بعيدًا عن التأثيرات العاطفية والغريزية، الَّتي يمكن أن تتولَّد عن التقاء