فهرس الكتاب
وقد أوحى الله تعالى إلى رسوله بالجواب الَّذي ورد في الآيات الكريمة ويحمل فصل الخطاب: يا أيُّها الرسول قل لأزواجك: اخترن لأنفسكن أحد أمرين: فإن رغبتُنَّ في سعة الدنيا ونعيمها وبهرجها الزائل، فتعالَين حتَّى أدفع لَكُنَّ متعة الطلاق، وأطلِّقكن طلاقًا من غير ضرر، وإن كنتن ترغبن في رضوان الله ورسوله، والفوز بالنعيم الوافر في الدار الآخرة، فقد هيَّأ الله تعالى للمحسنات منكُنَّ ثوابًا كبيرًا وهو الجنَّة، الَّتي فيها ما تشتهيه الأنفس، وتلذُّ به الأعين. وفي قوله تعالى: {وإن كنتُنَّ تُرِدْنَ الله..} إشارة إلى أن في اختيار النبي صلى الله عليه وسلم اختيارًا لسبيل الله القويم ولجنَّة النعيم، وآية التخيير هذه تحدِّد الطريق، فإمَّا الدنيا وزينتها، وإمَّا الله ورسوله والدار الآخرة، فالقلب واحد ولا يتَّسع لرغبتين متناقضتين، وهذا التخيير يحسم في القلب المسلم كلَّ أَرجَحَةٍ وتذبذب بين قيم الدنيا وقيم الآخرة، بين الإخلاد إلى الأرض، والتوجُّه إلى السماء، ويخلِّص القلب من كلِّ وشيجة غريبة تحول بينه وبين التجرُّد لله، والخلوص له وحده دون سواه. وبعد التخيير يأتي التحذير من مغبَّة اتباع الهوى، فمن تُحْرِجُ منهن الرسول صلى الله عليه وسلم وتطالبه بما يشقُّ عليه، يضاعف لها العذاب يوم القيامة ضعفين، لأن قبح المعصية منهن أشدُّ من غيرهن، وكان ذلك سهلًا يسيرًا على الله الَّذي لا يحابي أحدًا لأجل أحد، فلا يغني عنهن كونهن نساء رسوله شيئًا. ومن تقنت منهن لله ورسوله، وتعمل صالحًا، يؤتها الله تعالى أجرها مرتين، والقنوت هو الطاعة والخضوع، والعمل الصالح هو الترجمة العملية لهما، وكما أن العذاب يضاعف للمذنبة ضعفين، فإن الثواب للطائعة يكون ضعفين، ويهيِّئ الله لها في الجنَّة رزقًا حسنًا مُرْضيًا لا ينقطع. ثم أظهر الله تعالى مكانتهن بين النساء من حيث الفضل والشرف؛ لكونهن زوجات خاتم الرسل محمَّد صلى الله عليه وسلم ،