فهرس الكتاب
إن الإسلام الَّذي رفع شأن المرأة إلى هذه المرتبة السامية يطلب منها أن ترتفع هي بنفسها أيضًا عن سفاسف الأمور، فلا تجعل من نفسها دمية معروضة في واجهة تنهشها العيون الجائعة، وتلك هي الجاهلية الَّتي سادت قبل الإسلام، وهي الآن سائدة في كلِّ مجتمع هابط إلى حضيض مَهين. إن القرآن الكريم يوجِّه نساء النبي ونساء المؤمنين جميعًا إلى التعالي فوق تلك الزينة المزيَّفة، الَّتي تجعل للجسد المكانة الأولى، وتلغي الروح بقيَمِها ومُثُلها الرفيعة، ويربط قلوبهن بالله، ويوجِّه بصائرهن إليه عزَّ وجل الَّذي يُسْتَمَدُّ منه النور. فالإسلام وحدة تجمع الشعائر والآداب والأخلاق والتشريعات والنظم كلَّها في نطاق العقيدة، ولكلٍّ منها دور تؤدِّيه لتطبيق مقتضيات هذه العقيدة، وتتناسق كلُّها في اتجاه واحد، ومن هذا التجمُّع والتناسق يقوم الكيان العام لهذا الدِّين، ومن ثَمَّ كان الأمر بإقامة الصَّلاة وإيتاء الزَّكاة وطاعة الله ورسوله، هو خاتمة التوجيهات الإيمانية والأخلاقية والسلوكية لأهل البيت الكرام، لأنه لا يقوم شيء من تلك التوجيهات بغير العبادة والطاعة، وكلُّ ذلك لحكمة إلهية بالغة وهدف إصلاحي كبير.
وهكذا يبيِّن النصُّ القرآني أن هذه الأوامر والتوجيهات ما هي إلا وسيلة لإذهاب الرِّجس وتطهير أهل البيت، وكلمة الرجس مستعارة للتعبير عن الذنوب والمعاصي، لأن العاصي يتدنَّس بها ويتلوَّث كما يتلوَّث بَدَنه بالنجاسات الحسيَّة. وأمَّا الطهارة فتكون بكثرة الطاعات الَّتي تمحو الخطايا وتُنقِّي النفس، فيبقى العبد معها نقيًا كالثوب الطاهر. روى الإمام أحمد والترمذي عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمرُّ بباب فاطمة رضي الله عنها ستة أشهر إذا خرج إلى صلاة الفجر يقول: الصلاة ياأهل البيت، إنما يريد الله ليذهب عنكم الرِّجس أهل البيت ويطهِّرَكُم تطهيرًا» .