فهرس الكتاب
ومن الإحسان برُّ الوالدين اللذين قرن الله تعالى الإحسان إليهما بعبادته وتوحيده إشادة بعلُوِّ مقامهما، ولفتًا للأنظار إلى عظيم حقِّهما عندك وفضلهما عليك، فهما الحلقة الأولى في سلسلة الترابط الاجتماعي، فإذا ما استحكمت الصلة بهما تماسكت الأسرة والمجتمع. والإحسان إليهما يكون بطاعتهما وبرِّهما وخدمتهما والتأدُّب معهما، بألا يرفع الابن صوته عليهما، ولا يثقل في الكلام معهما، وأن يسعى إلى تحقيق مطالبهما والإنفاق عليهما قدر المستطاع، فهما اللَّذان مَنَحاه خلاصة حياتيهما، وعصارة جهديهما، وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟!
وبعد الإحسان إلى الوالدين يأتي الإحسان إلى ذوي القربى الَّذي من شأنه أن يذيب الفوارق المادية بين خلايا المجتمع، ويربط هذه الخلايا بروابط المحبَّة والتعاون. ويُبنى على هذا مبدأ التكافل الاجتماعي الَّذي يتدرَّج به الإسلام من المستوى الفردي الشخصي إلى المحيط العام، وفق نظريته التطبيقية لهذا التكافل. ولقد أكدَّ النبي صلى الله عليه وسلم على أن صلة الرحم باعثة على كثرة الرزق، وطول العمر، فعن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من أحَبَّ أن يُبْسَطَ له في رزقه ويُنْسَأَ له في أَثَره فَليَصِل رحمه» (متفق عليه) ومعناها التفقُّد لهم بالزيارة والإهداء والإعانة بالقول والفعل. ثم تسمو الدعوة الإسلامية من الإحسان للوالدين وذوي القربى لتشمل اليتامى والمساكين، فيكون واجبًا في حقِّهم إذا فقدوا من يقوم بمصالحهم أو ينفق عليهم، فحال المجتمع لا ينتظم ولا تستقيم أموره إلا بالعناية بهم وإصلاح حالهم، وإلا كانوا شوكة مؤلمة في جنبه، ولذلك كان أجر ذلك عظيمًا، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله وكالقائم الَّذي لا يفتر وكالصائم الَّذي لا يفطر» (متفق عليه) .