فهرس الكتاب
وهكذا فإننا نرى أن الإسلام قد شيَّد بناء الأخلاق في نفوس المؤمنين في أقصر وقت عرفه تاريخ الحضارة البشرية، لأنه يرتكز على العدل والإحسان وإيتاء ذوي القربى، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فما أعظمها من آية كريمة جمعت الخير كلَّه مكافِحَةً به الشرَّ كلَّه، وهي قوله تعالى: {إنَّ الله يأمُرُ بالعدلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذي القُربى وينهى عن الفحشاء والمُنكرِ والبَغيِ يَعِظُكُمْ لعلَّكُمْ تَذَكَّرون} . قال الحسن رضي الله عنه فيما أخرجه البيهقي: إنه قرأ هذه الآية ثم قال: (إن الله عزَّ وجل جمع لكم الخير كلَّه، والشرَّ كلَّه في آية واحدة، فوالله ما تركَ العدل والإحسان شيئًا من طاعة الله إلا جمعه، ولا تركت الفحشاء والمنكر والبغي من معصية الله شيئًا إلا جمعته) . والفحشاء هي المجاهرة بالذنوب والمفاخرة بها، والمنكر هو الذنوب والممارسات الَّتي تستنكرها الطبائع السليمة، أمَّا البغي فهو الظلم والاستعلاء على الناس والتطاول عليهم، وتلمُّس عيوبهم، واستغابتهم، والاعتداء على أموالهم أو حقوقهم أو أمنهم أو سلامتهم. فإذا كانت آية واحدة من آيات القرآن الكريم قد دلَّت بِدِقَّةٍ وشموليَّة على وجوه الخير والشرِّ كلِّها، فكيف بالقرآن الكريم كلِّه الَّذي أُنزِل لينشئ أُمَّة وينظِّم مجتمعًا، ثمَّ ليوحِّد عالمًا ويقيم نظامًا عالميًا، يجمع أفراد البشر كافَّة في أسرة واحدة، ليعيش الخلق كافَّة في كنف الله ورحمته، سُعَداء متعاونين متراحمين، حتى تغدو حياتهم الدنيا جنَّة مصغَّرة، فإذا ما انقضت آجالهم فيها، استقبلتهم الجنَّة الحقيقية الكبرى، والَّتي أعدَّ الله لهم فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر؟!