فهرس الكتاب
إن سخرية الإنسان من أخيه الإنسان معول فعَّال يسعى حثيثًا في تهديم العلاقات الإنسانية، وتمزيق الأُخوَّة الإيمانيَّة شرَّ مُمزَّق، حيث يستعلي المرء بماله، أو حسبه، أو جاهه مفاخرة ومباهاة وتحقيرًا للآخرين، دون أن يدرك إمكانية تفوُّقهم عليه بمواصفات لا تتوافر فيه، وهذه كلُّها أسلحة إبليس يضعها بين أيدي الخلائق ليفرِّق بينهم، وليزرع العداوة والبغضاء في قلوبهم.
والقرآن يهتف بالمؤمنين أن لا يسخر بعضهم من بعض، فلعلَّ الَّذي يسخرون منه هو عند الله تعالى خيرٌ منهم، وأن لا يسخر نساءٌ من نساءٍ فلعلهنَّ خيرٌ منهن في ميزان الله، فقد روى الحاكم وأبو نُعيم في الحُلية عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «رُبَّ أشعث أغبر ذي طِمرين ـ الثوب الخَلِق البالي ـ تنبو عنه أعين الناس لو أقسم على الله لأبرَّه» . وفي التعبير إيحاء خفي بأن القيم الظاهرة الَّتي يراها الرجال في أنفسهم، وتراها النساء في أنفسهن ليست هي القيم الحقيقية الَّتي يُقَيَّمُ بها الناس، فهناك قيم أخرى، قد تكون خافية عليهم، لا يعلمها إلا الله، فقد يسخر الغنيُّ من الفقير، والقويُّ من الضعيف، والذكيُّ من الساذج، والولود من العقيم، وقد تسخر الجميلة من القبيحة، بناءً على المقاييس الأرضية الَّتي تخطئ وتصيب في إصدار الأحكام، لكنَّ ميزان الله الثابت العادل لا يرفع ولا يخفض، ولا يقدِّم ولا يؤخِّر إلا على أساس الإيمان والعمل الصالح، وكلُّ ما سوى هذين المعيارين باطل مرفوض. روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» وفي هذا إيماء يصرف المرء عن مدح أحد أو الانتقاص منه بما يرى عليه من ظواهر الأعمال.