فهرس الكتاب
ولا ينبغي لأحد أن يذكر الآخرين بما يكرهون ولو كان صادقًا في حديثه عنهم، فلا يحقُّ له أن يشيع أخبار السوء عنهم، لما في ذلك من أذى لهم، وإيغارٍ لصدورهم، وتفريقٍ لشملهم. قال الحسن رضي الله عنه: (الغيبة ثلاثةُ أَوجُهٍ كلُّها في كتاب الله: الغيبة والإفك والبُهتان، فأمَّا الغيبة: فهي أن تقول في أخيك ما هو فيه، وأمَّا الإفك: فأن تقول فيه ما بلغك عنه، وأمَّا البُهتان: فأن تقول فيه ما ليس فيه، أي أن تختلق أنت رواية كاذبة عنه) . وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «قيل يارسول الله: ما الغيبة؟ قال: ذكرك أخاك بما يكره، قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بَهَتَّهُ» (رواه الترمذي وصححه) . ونرى أن القرآن يعرض مشهدًا تتأذَّى منه كلُّ النفوس حتى أشدها غلظة، وجميع القلوب حتى أدناها رقة، إنه مشهد أَكْلِ الإنسان لحم أخيه ميتًا، ثم يبادر فيعلن نيابة عنهم أنهم كرهوا هذا العمل المثير للاشمئزاز، فكان لزامًا عليهم أن يكرهوا الغيبة كراهيتهم لهذا العمل. روى أبو داود بإسناده عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لما عُرِجَ بي مررتُ بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم، قلت: من هؤلاء ياجبرائيل؟ قال: هؤلاء الَّذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم» ، وأخرج ابن مردويه والبيهقي عن أبي سعيد وجابر رضي الله عنهما قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الغيبة أشدُّ من الزنى. قالوا: يارسول الله! وكيف الغيبة أشدُّ من الزنى؟ قال: إن الرجل ليزني فيتوب؛ فيتوب الله عليه وإن صاحب الغيبة لا يُغْفَرُ له حتى يغفرها له صاحبه» .