الصفحة 769 من 1412

من أجل هذا أدَّب الله المسلمين بهذا الأدب العالي، أدب الاستئذان قبل الدخول إلى البيوت والسَّلام على أهلها، لإيناسهم وإزالة الوحشة من نفوسهم. وبذلك غدت البيوت حَرَمًا آمنًا، لا يستبيح أحد دخوله إلا بعلم أهله وإذنهم، وفي الوقت الَّذي يريدون، وعلى الحالة الَّتي يحبُّون أن يلقاهم الناس عليها. ومن هذا الأدب أن يستأذن المرء ثلاثًا، فإنْ أُذنَ له دخل وإلا انصرف، فقد ثبت في الصحيح أن أبا موسى الأشعري رضي الله عنه استأذن على عمر رضي الله عنه ثلاثًا فلم يُؤذن له فانصرف، فقال عمر: ألم أسمع صوت أبي موسى يستأذن؟ ائذنوا له، فطلبوه فوجدوه قد ذهب، فلما جاء بعد ذلك قال ما أرجعك؟ قال: إني استأذنت ثلاثًا فلم يُؤذن لي، وإني سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا استأذن أحدكم ثلاثًا فلم يُؤذن له فلينصرف» . وقد بيَّن قتادة أن معنى قوله تعالى: {حتَّى تَستأْنِسوا} هو الاستئذان ثلاثًا، فمن لم يؤذن له فليرجع. وأمَّا الحكمة من ذلك فإن الأُولى لِيَسمعَ أهل البيت، والثانية ليأخذوا أُهْبَتَهم واستعدادهم، والثالثة ليأذنوا إن شاؤوا أو يردُّوا. وقد نهى الله تعالى المرء عن أن يقف بباب قوم ردُّوه، فَإِنَّ للناس حاجات ولهم أشغال. ومن أدب الاستئذان أيضًا أن يُفصح المرء عن اسمه حتَّى يعرفه صاحب البيت جيدًا، فعن جابر رضي الله عنه أنه قال: «أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فدققت الباب فقال صلى الله عليه وسلم: «من ذا؟ فقلت: أنا، قال: أنا.. أنا..!! كأنه كرهه» (أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والبيهقي في السنن وابن حبان في صحيحه) وإنما كره ذلك لأن هذه اللفظة لا يُعرف بها صاحبها، ما لم يُصَرِّح بذكر اسمه أو كنيته الَّتي يشتهر بها، ولأنه إذا عبَّر كلُّ واحد عن نفسه بـ (أنا) فإن المقصود من الاستئذان لا يحصل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت