فهرس الكتاب
أمَّا في الاتجاه الثاني وهو اتجاه المحافظة على هذه الضروريات من الأيدي الآثمة والاختيار الخاطئ، فقد حرَّم الله من خلال شرائعه ـ وخاصَّة الإسلام ـ كلَّ اعتداء يحول دون تحقيقها، وفرض عقوبات محدَّدة رادعة بحقِّ المعتدين أيًّا كانوا، تدعى بالحدود، ولم يأت هذا التحريم والعقاب الَّذي يترتَّب على انتهاكه إلا بعد تشريع ما يشبع تلك الرغبات والدوافع من الحلال الطيِّب. فلم يقمع الشرع الحنيف حاجة من الحاجات، بل جعل لها السبيل الآمن السليم لبلوغها، والوصول بصاحبها إلى الغاية الإنسانية الفضلى المرجوَّة من ورائها، وبذلك يعيش النَّاس جميعًا سعداء آمنين في ظلال العدالة الإلهية، والاطمئنان الروحي والنفسي، والأمن الاجتماعي والصحِّي. وبغية الحفاظ على النفس وضمان حقِّ الحياة لجميع أفراد المجتمع، فقد حرَّم الإسلام قتل النفس وجعله من كبائر الذنوب والآثام، ورتَّب على جريمة القتل عقوبة القصاص بأن يُقْتَلَ القاتل المتعمِّد، وكما حرَّم الاعتداء على النفس، حرَّم كلَّ ما من شأنه أن يوقع ضررًا أو أذى على جسد الإنسان.
وكذلك حرَّم الإسلام الاعتداء على الأعراض في المجتمع، فصانها من أن يقع النَّاس فيها ويفسدوا على أصحابها حياتهم، ورتَّب على انتهاك هذه الحرمات عقوبات زاجرة تجعل الأعراض بمنأى عن العدوان. وتحقيقًا لذلك فرض عقوبة القذف ـ وهو الاتِّهام بالزِّنا والفاحشة دون دليل ـ وزيادة على عقوبته الجسدية أمر بحرمان القاذف من قبول شهادته في شيء. كما جعل عقوبة الزنا عقوبة شديدة تحجز النَّاس عن هذه الجريمة الكبرى، الَّتي تكاد آثارها الوبائية تقضي على جانب كبير من الجنس البشري.