الصفحة 787 من 1412

كما أن الإسلام حرَّم الاعتداء على العقول والوعي فحفظ على الفرد اتِّزانه وأبقى على عقله ووعيه، فحرَّم شرب المسكرات بأنواعها وكلَّ المخدرات والمُفَتِّرات ـ قليلها وكثيرها ــ وبذلك صان الفرد من سائر أمراض المسكرات، ومن مرض خطير جدًا أوسع مدى من أن يكون حالة عارضة من فقد الوعي، ألا وهو مرض الإدمان، الَّذي تئنُّ منه البشرية المعذَّبة الآن، لأنها لم تلتزم بمنهج الله الَّذي رسم مخطط الحياة الفاضلة الآمنة الأمثل. وتحقيقًا لقيام مثل هذا المجتمع، والبعد بالنَّاس عن كلٍّ من السُّكْرِ والإدمان، فقد شرَّع عقوبة رادعة عن شرب الخمر وسائر المؤذيات.

وحفظًا للأموال وضمانًا لحقِّ أبناء المجتمع في التملُّك المشروع، فقد حرَّم الإسلام السرقة، وجميع التصرفات والأعمال الَّتي تؤدِّي إلى أكل أموال النَّاس بالباطل، لذلك فرض عقوبة رادعة على السارق وهو آخِذُ أموال النَّاس بغير وجهٍ مشروع.

ويلاحظ في هذا المجال أن الإسلام لم يتَّجه هذا الاتجاه، إلا بعد أن ربَّى النبي r المجتمع التربية المُثلى، فارتقى به إلى آفاق عالية من الإيمان والشعور بحقوق الآخرين، والرغبة في رضا الله والخشية من سخطه، وبعد هذا التهذيب الحقيقي لأخلاق وسلوك الأفراد، شُرِّعَت العقوبات لتردع القلَّة الشاذَّة عن هذا المنهج، لئلا تتفشَّى عدواها في المجتمع الإسلامي مرَّة ثانية. ومع كلِّ هذا أمر القاضي أن يكون رؤوفًا بالمخطئين، فيخفِّف عنهم العقاب أو يمنعه لأيِّ شبهة تمنع تطبيقه؛ بغية إعطائهم الفرصة للتوبة والإصلاح، فعن السيِّدة عائشة رضي الله عنها قالت: قال صلى الله عليه وسلم: «ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن كان له مخرج فخَلُّوا سبيله فإنَّ الإمام إنْ يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة» (رواه الترمذي والحاكم في باب الحدود والبيهقي) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت