فهرس الكتاب
وسبب فرض عقوبة القطع هو أن السارق حين يفكر في السرقة، فإنما يفكر في أن يزيد كسبه من حقِّ غيره، متجاهلًا ما عسى أن يكون صاحب الحقِّ المسلوب قد بذل من جهد وتعب ليحصل عليه، متغافلًا عن مدى حاجته إليه، ولا يهمُّه إلا أن ينمِّيَ ماله ويكثر متاعه عن طريق الكسب الحرام، فيعطِّل بذلك الطرق الشرعية الموصلة للكسب الشريف، وهذا كلُّه بدافع الشَّرَه والأنانية المطلقة، وقد حاربت الشريعة هذا الدافع، بهذه العقوبة الصارمة، لتمنعه من هذا التفلُّت والانتهاك لحقوق الآخرين. وإنَّ يدًا واحدة تُقطع لكفيلةٌ بردع كثير من المجرمين، وكفِّ عدوانهم، وتأمين الاستقرار والأمن المالي للمجتمع.
وقد شدَّد الإسلام في عقوبة السرقة دون غيرها من جرائم الاعتداء على الأموال كالاختلاس الوظيفي والتلاعب التجاري، لأنه يمكن استرجاع الحقوق الَّتي من النوع الآخر بالادِّعاء لدى ولاة الأمور، وتسهل إقامة البيِّنة عليه بخلاف السرقة، فإن إقامة البيِّنة عليها متعسِّرة وتكاد تكون مستحيلة، لذلك عظُم أمرها، واشتدَّت عقوبتها، ليكون ذلك أبلغ في الزجر عنها. لذلك فلا قطع على المُؤتَمَنِ على مال إذا سرقه، ولا على الخادم المأذون له بدخول البيت، ولا على أخذ الثمار من الحقل، ولا قطع على الشريك حين يسرق من مال شريكه، والعقوبة في مثل هذه الحالات هي التعزير، وهي عقوبة مفوَّضة إلى القاضي وهي دون الحدِّ حتمًا، وتكون بالجلد أو الحبس أو التوبيخ أو الموعظة في بعض الحالات. وتثبت السرقة بشهادة رجلين أو بالإقرار.