وفي المرحلة الرابعة: نزل التحريم الكلِّي القاطع بقوله تعالى: {ياأيُّها الَّذين آمنوا اتَّقوا الله وذَرُوا ما بَقيَ منَ الرِّبا إن كنتم مؤمنين} (2 البقرة آية 278) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لعن الله آكل الرِّبا وموكله وشاهديه وكاتبه» (رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي) ، وهي المرحلة النهائية في تحريم الرِّبا.
وقد تركَّز تحريم الرِّبا في ستَّة أعيان هي: الذهب والفضَّة والقمح والشعير والتمر والملح، وهي الحاجات الأساسية الَّتي لا غنى للناس عنها. فالذهب والفضَّة هما العنصران الأساسيان للنقود، تنضبط بهما المعاملات والمبادلات التجارية، لأنهما معيار الأثمان الَّذي يُرْجَع إليه في تقويم السلع، فإذا وُجِدت العلَّة في نقد آخر أخذ حكمهما؛ فلا يباع إلا مِثْلًا بمِثل. وأمَّا القمح والشعير والتمر والملح فهي عناصر الأغذية الَّتي تقوم عليها الحياة، لذلك فهي من الضروريات الأساسية في كلِّ مجتمع، فإذا وُجدت العلَّة في شيء آخر فإنه لا يباع إلا مِثلًا بمِثل، وكل ما يقوم مقام هذه الأجناس الستَّة يقاس عليها ويأخذ حكمها.
وقد حرَّم الله الرِّبا رحمة بعباده، وإنقاذًا لهم من الاستغلال والفساد في المعاملة، لما يترتَّب عليه من أضرار عامَّة شاملة، حيث ينشئ نظامًا يسحق البشرية ويشقيها لمصلحة حفنة من المرابين. ومن الناحية النفسية يولِّد في نفس المرابي حبَّ الأَثرة والأنانية، فلا يخدم إلا نفسه، ولا تهمُّه إلا مصلحته ونفعه، وبذلك تنعدم لديه روح التضحية والإيثار ويصبح عبدًا للمادَّة، وتتردَّى روحه في مهاوي السفاسف من الأمور، كما أنه يخلق لدى المدين نوعًا من العجز والقهر، ويقيِّده بأغلال من الاستعباد والذُّل، فتنعدم بذلك قِيَم الخير بين الأفراد والجماعات.