الصفحة 961 من 1412

ومن ناحية ثانية فإن نجاح أي عمل، مشروط بالتوكُّل على الله، وهو الثقة المطلقة بالله والاعتماد عليه وتفويض الأمر إليه، والاستعانة به في كلِّ شأن، والتيقُّن بأن قضاءه نافذ، مع الأخذ بالأسباب وتدريب الأُمَّة على التشاور في كلِّ أمورها، لزرع الروح الجماعية وإلغاء الأثرة والأنا والفردية من صفوف المجتمع. والإنسان في صراعه مع مشكلات الحياة تنتابه المخاوف، وتعترضه الصعاب، وتنزل به الآلام، فلا يُحِسُّ بطعم الحياة، ولا يتمكَّن مع هذا القلق من القيام بدوره الرئيس في إسعاد نفسه ونفع غيره، فتتعطَّل قواه المادِّية والمعنوية، ويصبح شيئًا لا قيمة له، ولا تطيب حياته إلا إذا استمتع بسكينة النفس، وطمأنينة القلب، وراحة البال، وعافية البدن، وسبيله إلى ذلك أن يثق بالله ويحسن الظنَّ به ويتوكَّل عليه، ويردَّ الأمر كلَّه إليه، جاء في الحديث القدسي: «أنا عند ظنِّ عبدي بي، وأنا معه حين يذكرني» (رواه البخاري والترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه ) . فتوكُّل المؤمنين على الله قوَّة نورانية تعينهم إذا أقدموا، وتمسح آلامهم إذا أخفقوا، ولا يُحسن التوكُّل على الله إلا من امتلأ قلبه بالإيمان لأنه ثمرة من ثماره، فعن عمر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لو أنكم تتوكَّلون على الله حقَّ توكُّله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصًا وتروح بطانًا» (رواه أحمد والترمذي وابن ماجه والنسائي) . على أن التوكُّل على الله لا يتنافى مع اتخاذ الأسباب، بل إنه لا يصحُّ إلا إذا اتخذ الإنسان لكلِّ أمر أسبابه الموصلة إلى تحقيقه، فالله سبحانه قد ربط المسبَّبات بأسبابها، والنتائج بمقدِّماتها. وقد تخفى علينا بعض الأمور فلا ندرك أسبابها وحكمتها، ويتوجَّب علينا حينها أن نلجأ إلى مسبِّب الأسباب لعلَّه بعنايته ورحمته يهدينا إلى طريقها الأمثل، أو يبدلنا خيرًا منها، ويجب مع هذا بذل كلِّ الجهد الممكن والطاقة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت