فهرس الكتاب
إن هذه المحاولات الَّتي عصم الله رسوله منها هي محاولات المغرضين دائمًا مع أصحاب الدعوات الروحية النبيلة بغية إغرائهم لينحرفوا عن طريق الدعوة المستقيم، ويرضوا بأنصاف الحلول الَّتي يغرونهم بها من مغانم دنيوية جمَّة. ولكنَّ روحانية الرسول الكريم كانت غالبة على بشريته، إذ لم يكن أمام روحه ما يحجبها عن نور الله، ولولا تثبيت الله، ونور الهداية، وأثر العناية الربَّانية لكان يمكن أن يركن إلى أهل الأهواء ولو قدرًا يسيرًا. وممَّا لا ريب فيه أن العظيم إذا ارتكب إثمًا أو خطيئة فعقابه شديد على قدر عظمته، لأنه يفتح الطريق لغيره لارتكاب إثم كإثمه اقتداءً به وتأسِّيًا، فكأنه سنَّ ذلك لهم، قال صلى الله عليه سلم فيما أخرجه مالك وأحمد ومسلم وغيرهم عن أبي جُحَيْفة وواثلة بن الأسقع رضي الله عنهما: «من سنَّ سنَّة سيئة، فعليه وزرها، ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة» .
وروي عن قتادة أنه قال: «لما نزل قوله تعالى: {وإن كادوا ليفتنونك..} قال صلى الله عليه وسلم: اللهمَّ لا تكلني إلى نفسي طرفة عين» (أخرجه البزار عن ابن عمر رضي الله عنه والطبراني في الصغير والأوسط عن أنس رضي الله عنه ) . فينبغي للمؤمن أن يتدبَّر هذه الآيات حين تلاوتها، ويستشعر الخشية، ويستمسك بدعاء النبي عليه أفضل الصَّلاة والسَّلام، لكي يبقى في عناية الله عزَّ وجل وحفظه وإرشاده. فلا يتَّكل على قواه ولا يركن إلى طاقاته، بل يشعر دائمًا وأبدًا أنه مفتقر إلى الله وعونه وتأييده، وفي ذلك السَّلامة والنجاة من الزيغ والانحراف والبعد عن جادَّة الحق.
الفصل الثالث:
رعاية الدعوة للمستضعَفين من أتباعها
سورة الكهف (18)
قال الله تعالى: {واصبِرْ نَفْسكَ مع الَّذين يَدْعونَ ربَّهم بالغَداةِ والعشيِّ يُريدونَ وَجْههُ ولا تَعْدُ عيناكَ عنهم تُريدُ زينةَ الحياةِ الدُّنيا ولا تُطعْ من أغفلنا قلبَهُ عن ذِكرنا واتَّبعَ هواهُ وكان أمْرُهُ فُرُطًا (28) }
ومضات: