الصفحة 968 من 1412

ثم يأمر الله الرسول صلى الله عليه وسلم بألاَّ يُطيع من غفل قلبه عن ذِكر الله والتفت عنه إلى نفسه وذاته، وإلى ماله وأبنائه، ومتاعه ولذائذه وشهواته، فلم يعد في قلبه متَّسع لله، والقلب الَّذي يشتغل بهذه الشواغل، ويجعلها غاية حياته لاجرم أنه غافل عن الله؛ فماذا يُرتجى من إنسان تشعَّبت به الأهواء، وتفرَّقت نفسيته، فهو مُضيِّعٌ لُباب الحياة وجوهرها، مضيِّع لحقوق ربِّه وحقوق نفسه، وحقوق الناس، لقد عاقب نفسه بنفسه قبل أن يحيق به عذاب الله؛ وهل هناك عقوبة أشدُّ من الغربة الروحية الَّتي يعيشها من ترك قلبه خاليًا من محبَّة الله، وتركه نهبًا لهموم الحياة وشكوكها واضطراباتها؟. وما أكرمه من إنسان لو أنه أغنى قلبه بحبِّ الله وطاعته، كما أنه أغنى يده بمال الله، فجمع خيري الدنيا والآخرة؟.

وينبغي ألاَّ يُفهم من كلامنا أنَّ إرادة وجه الله حِكرٌ على فقراء الأمَّة، بل هي متاحة لكلِّ من أراد وجه الله بصدق، فاتَّجه بقلبه ومشاعره إلى ذات الله؛ دون أن تفتر همَّته عن عطاء الدنيا وكسبها، بل سخَّر ما أعطاه الله في سبيل خدمة دين الله، كما تحلَّى وتمثَّل بفضائل الدِّين، ليكسب بذلك قلوب الناس ومحبَّتهم بسبب صدقه في التعامل، وبذلك تزداد أرباحه الوفيرة وكأنني أسمع ترداد قول الشاعر يأتي من الأفق البعيد:

ما أجمل الدِّين والدنيا إذا اجتمعا وأقبحَ الكفر والإفلاس بالرجل

وكأنِّي أرى أغنياء رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أنفقوا وبذلوا وأعطوا.. حتَّى طربت لعطاءاتهم السماء، وفرحت بما قدموه القلوبُ المنكسرة المعدمة...

سورة الأنعام (6)

قال الله تعالى: {ولا تطْرُدِ الَّذين يدعونَ ربَّهم بالغَداةِ والعشيِّ يُريدونَ وجههُ ما عليكَ من حِسابِهم من شيءٍ وما مِنْ حِسابِكَ عليهم من شيءٍ فتطْرُدَهم فتكونَ من الظَّالمين (52) }

ومضات:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت