الصفحة 65 من 342

فيقول: إنَّ هذا القول حقٌّ، وما نطقه إلاّ بعض الحكماء، ولكنِّي لم أسمع به حتى السّاعة. فيقول، وفّر الله قسمه في الثَّواب: فلعلَّك يا أبانا قُلْتَه ثمَّ نسيت، فقد علمت أنَّ النسيان متسرّعٌ إليك، وحسبك شهيدا على ذلك الآية المتلوَّة في فرقان محمد صلى الله عليه وسلم:"ولقد عَهِدْنا إلى آدم من قَبْلُ فنَسِيَ ولم نجد له عزما". وقد زعم بعض العلماء أنك إنّما سُمِّيتَ إنسانا لنسيانك، واحتجَّ على ذلك بقولهم في التَّصغير: أُنَيْسِيَان، وفي الجمع: أَنَاسِيّ. وقد رُوِيَ أنَّ الإنسان من النسيان، عن ابن عبَّاس. وقال الطائيّ:

لا تَنْسَيَنْ تلك العهود، وإنَّما* سُميِّت إنسانًا لأنّك ناسِ

وقرأ بعضهم:"ثمَّ أفيضوا من حيث أفاض النَّاسِ"بكسر السّين، يريد"النّاسي"، فحذف الياء كما حذفت في قوله: سواء العاكف فيه والبادِ. فأمّا البصريُّون فيعتقدون أنَّ الإنسان من الأنس، وأنَّ قولهم في التَّصغير:"أنيسيان"شاذ، وقولهم في الجمع:"أناسيُّ"أصله"أناسين"، فأُبْدِلت الياء من النون. والقول الأوَّل أحسن . فيقول آدم صلَّى الله عليه: أبيتم إلاَّ عقوقًا وأذيَّةً، إنّما كنت أتكلَّم بالعربيَّة وأنا في الجنَّة، فلمّا هبطت إلى الأرض نُقِل لساني إلى السُّريانيَّة، فلم أئطق بغيرها إلى أن هلكت. فلمَّا ردَّني الله سبحانه وتعالى عادت عليَّ العربيَّة. فأيَّ حينٍ نظمت هذا الشعر: في العاجلة أم الآجلة؟ والذي قال ذلك يجب أن يكون قاله وهو في الدار الماكرة. ألا ترى قوله: منها خُلِقْنا وإليها نعود؟ فكيف أقول هذا المقال ولساني سُريانيّ؟ وأمَّا الجنّة قبل أن أخرج منها فلم أكن أدري بالموت فيها"...".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت