الصفحة 74 من 342

ومن هذا النص الذى اختصر فيه السيوطى المسألة من جميع جوانبها يتضح ما يلى: أن هناك عدة آراء في هذه القضية لا رأيين اثنين فحسب كما يقول لويس عوض، إذ ثمة من يقول إن في القرآن بعض الألفاظ الأعجمية، بيد أنها لم تعد كذلك بعد أن انصهرت قبل ذلك في العربية وأضحت جزءا لا يتجزأ منها مثلما لا تخرج القصيدة الفارسية عن فارسيتها لوجود بعض الألفاظ العربية فيها مثلا. وإلى جانب ذلك كان هناك من يقول إن التشابه بين تلك الألفاظ ومثيلاتها في اللغات الأخرى ليس تشابه أخذ واستعارة، بل تشابه مصادفة ليس إلا. وهؤلاء وأولئك قد سبقوا القاضى عبد الجبار في ذَيْنِكَ الرأيين، فلا معنى إذن لمبالغة لويس عوض الهوجاء في الثناء عليه وكأنه ابن بجدتها (ص 96) ، إذ كان ثمة عدد من العلماء المسلمين يقولون بهذا وذاك من قبل. أى أن عبد الجبار لم يقل هذا دونهم، ولا قاله قبلهم. أما قول لويس عوض إننا لو أخذنا بهذا الرأى لما انشقت اللغة العربية شقين: فصحى وعامية (ص 98) ، فلا أفهم كيف يكون ذلك، إذ الفصحى تمتص كل يوم من اللغات الأجنبية كلمات جديدة لم تتوقف عن ذلك قط، فأخذت من الفارسية، وأخذت من التركية، وأخذت من اللغات الأوربية فىالعصر الحديث، وإن لم يمنع هذا فيما بعد من ترجمة مثل تلك الكلمات في كثير من الأحيان ليصبح لدينا لفظ أعجمى باق على حاله أو بعد تعريبه وإجرائه على أصول الصرف العربى، ولفظ عربى أصيل مترجم، ولتكون فرصة الاختيار واسعة أمام الكاتبين والمتحدثين. وعندنا على سبيل التمثيل كلمة"تليفزيون"و"تلفاز"و"مِرْناء"، وهذا مجرد مثال. ومع ذلك لم تختف العامية ولم تمت الفصحى، لأن هذا قانون من قوانين اللغة بوجه عام لا أمر خاص بلغتنا وحدها. ذلك أن الفصحى تشبه الملابس الرسمية، والعامية تشبه المنامة. تلك للحفلات والمناسبات الهامة، وهذه للمنزل أو لحجرة النوم ليس غير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت