فهرس الكتاب

الصفحة 85 من 171

من معرفته. وربما يظنّ أن نقيض القضية جلي لا يحتاج إلى البيان، ومع ذلك فإنه مثار لجملة من الأغاليط لا تحصى، فإن الأمور في أوائلها تلوح جلية ولكن إذا لم يهتم الناظر بتنقيحها وتحقيقها اعتاص عليه التفصيل بين القضيتين المتنافيتين. وأعني بالقضيتين المتنافيتين كل قضيتين إذا صدقت إحداهما كذبت الأخرى بالضرورة، كقولنا العالم حادث العالم ليس بحادث، وهما قضيتان تصدق إحداهما وتكذب الأخرى، وإنما يلزم صدق إحداهما من كذب الأخرى بستة شروط.

الأول: أن يكون المحكوم عليه في القضيتين واحدا بالذات لا بمجرد اللفظ، فإن اتّحد الاسم دون المعنى لم يتناقضا، كقولك النور مدرك بالبصر النور ليس بمدرك بالبصر، فهما صادقان إن أردت بأحدهما الضوء وبالآخر نور العقل، وكذلك لا يتناقض قول الفقهاء المضطر مختار المضطر ليس بمختار في مسئلة المكره، وقولهم المضطر آثم المضطر غير آثم إذ المضطر قد يعبّر به عن المدعو بالسيف إلى الفعل فالاسم متّحد والمعنى مختلف.

الثاني: أن يكون الحكم واحدا والإثم متناقضا كقولك العالم قديم العالم ليس بقديم، وأردت بأحد القديمين ما أراد اللّه تعالى بقوله كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ «1» وكذلك أيضا لم يتناقض قول الخصمين المكره مختار والمكره ليس بمختار، إذ ذكرنا أن المختار عبارة عن معنيين مختلفين.

الثالث: أن تتّحد الإضافة في الأمور الإضافية فإنك لو قلت زيد أب زيد ليس بأب لم يتناقض، إذ يكون أبا لبكر ولا يكون أبا لخالد، وكذلك تقول زيد أب، زيد ابن، فيكون أبا لشخص وابنا لآخر، والعشرة نصف والعشرة ليست بنصف أي هي نصف العشرين. وليست نصف الثلاثين.

(1) سورة يس، الآية 39

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت