حَدَّثَنِي أَبُو إِسْحَاقَ الْبَصْرِيُّ، حَدَّثَنِي أَبُو الْحَسَنِ عَلِىُّ بْنُ الصَّبَّاحِ، نَا أَبُو الْمُنْذِرِ هِشَامُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ عَوَانَةَ بْنِ الْحَكَمِ، قَالَ: كَانَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ إِذَا وَرَدَ الْيَمَنَ نَزَلَ عَلَى عَظِيمٍ مِنْ عُظَمَائِهِمْ فَنَزَلَ فِي بَعْضِ مَا كَانَ، فَنَزَلَ فَوَجَدَ عِنْدَهُ رَجُلا كَبِيرًا قَدْ أُمْهِلَ لَهُ فِي الْعُمُرِ، فَقَدْ قَرَأَ الْكُتُبَ، فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا عَبْدَ الْمُطَّلِبِ ائْذَنْ لِي فِي أَنْ أُفَتِّشَ مَكَانًا مِنْكَ، فَقَالَ: لَيْسَ كُلُّ مَكَانٍ مِنِّي آذَنُ فِي تَفْتِيشِهِ، قَالَ: إِنَّمَا هُمَا مِنْخَرَاكَ، قَالَ: فَدُونَكَ، فَنَظَرَ إِلَى شَعْرٍ فِي مِنْخَرَيْهِ، فَقَالَ: أَرَى نُبُوَّةً وَمُلْكًا وَأَرَى أَحَدَهُمَا فِي زُهْرَةَ، فَرَجَعَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ فَتَزَوَّجَ هَالَةَ بِنْتَ وُهَيْبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، فَوَلَدَتْ لَهُ أَبَا النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: فَقَالَ لَهُ ذَلِكَ الثَّانِي الَّذِي كَانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِ: يَا أَبَا حَارِثٍ أَلا تُغَيِّرُ مَا أَرَى مِنْ بَيَاضِ رَأْسِكَ وَلِحْيَتِكَ؟ قَالَ: بَلَى، فَأَمَرَ بِحِنَّاءٍ فَخَضَّبَ بِهِ ثُمَّ عَلا بِالْوَسْمَةِ فَلَمَّا أَرَادَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ الانْصِرَافَ زَوَّدَهُ وَسْمَةً وَحِنَّاءً، فَلَّمَا دَنَا عَبْدُ الْمُطَّلِبِ مِنْ مَكَّةَ اخْتَضَبَ وَدَخَلَ مَكَّةَ، فَقَالَتْ امْرَأَتُهُ نَتِيلَةُ: مَا أَحْسَنَ هَذَا السَّوَادَ لَوْ كَانَ يَدُومُ، فَأَنْشَأَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ، يَقُولُ:
وَلَكِنْ بَدِيلا مِنْ شَبَابٍ قَدِ انْصَرَمْ
تَمَتَّعْتُ مِنْهُ وَالْحَيَاةُ قَصِيرَةٌ ... وَلا بُدَّ مِنْ مَوْتٍ نَتِيلَةُ أُوْ هِرَمْ
وَمَا ذَا الَّذِي يُغْنِي عَنِ الْمَرْءِ خَفْضُهُ ... وَزِينَتُهُ يَوْمًا إِذَا عَرْشُهُ انْهَدَمْ
فَمَوْتٌ جَهِيزٌ عَاجِلٌ لا شَوَى لَهُ ... لَعُمْرِيَ خَيْرٌ مِنْ مَقَالَتِهِمْ حَكَمْ
قَالَ: وَكَانَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ لا يُسَافِرُ سَفَرًا إِلا وَمَعَهُ ابْنُهُ الْحَارِثُ، وَكَانَ أَكْبَرَ وَلَدِهِ، وَكَانَ شَبِيهًا بِهِ جَمَالا وَحُسْنًا، فَأَتَى الْيَمَنَ وَكَانَ يُجَالِسُ عَظِيمًا مِنْ عُظَمَائِهِمْ، وَيَجْلِسُ مَعَهُ الْحَارِثُ، وَكَانَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ لا يَكَادُ يَشْرَبُ تَنْزِيهًا عَنْهُ، حِينَ طَعَنَ فِي السِّنِّ، فَقَالَ الْحِمْيَرِيُّ: يَا أَبَا الْحَارِثِ لَوْ أَمَرْتَ ابْنَكَ هَذَا يُجَالِسُنِي وَيُنَادِمُنِي، فَإِنِّي أُسَرُّ بِذَلِكَ، فَكَانَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ لا يَنْهَاهُ عَنْ ذَلِكَ، فَعَشَقَتِ امْرَأَةُ الْحِمْيَرِيِّ الْحَارِثَ فَرَاسَلَتْهُ، فَأَبَى عَلَيْهَا، وَأَلَحَّتْ عَلَيْهِ، فَبَعَثَ إِلَيْهَا:
لا تَطْمَعِي فِيمَا لَدَيَّ فَإِنَّنِي ... كَرَمٌ مُنَادَمَتِي عَفِيفٌ مِئْزَرِي
أَسْعَى لأُدْرِكَ مَجْدَ قَوْمٍ سَادَةٍ ... عَمَرُوا فَطُفْنَ الْبَيْتَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ
فَافْنِي خَيَالا وَاعْلَمِي أَنِّي امْرِؤٌ ... أُرْبِي بِنَفْسِي أَنْ يُعَيَّرَ مَعْشَرِي
إِنِّي أذن لِخَلْوَتِي أَوْ كُنْيَتِي ... أَوْ أَنْ يُقَالَ صَبَا بِعُرْسِ الْحِمْيَرِي
، وَأَخْبَرَ أَبَاهُ بِذَلِكَ، وَكَانَ عِنْدَ الْمُلُوكِ سُمُّ سَاعَةٍ، وَسُمُّ يَوْمٍ، وَسُمُّ شَهْرٍ، فَلَمَّا يَئِسَتْ مِنْهُ سَقَتْهُ سُمَّ شَهْرٍ، فَارْتَحَلَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِمَكَّةَ مَاتَ الْحَارِثُ، فَجَزَعَ عَلَيْهِ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ فَأَنْشَأَ يَقُولُ:
سَقَى الإِلَهُ صَدًى وَارَيْتُهُ ظَهْرًا ... بِبَطْنِ مَكَّةَ يَعْفُوهُ الأَعَاصِيرُ
.مِنْ مَرِيرَتِهِ بِالْخَيْرِ مَذْكُورُ
يَا حَارِثَ الْخَيْرِ قَدْ أَوْرَثْتَنِي شَجَنًا ... فَمَا لِقَلْبِيَ عَنْ ذِكْرَاكَ تَغْيِيرُ
فَلَسْتُ أَنْسَاكَ مَا هَبَّتْ شَآمِيَةٌ ... وَمَا بَدَا عَلَمٌ فِي الآلِ مَعْمُورُ
قَدْ كُنْتَ عِزًّا وَزَيْنًا لِي أُؤَمَّلُهُ ... فِي النَّائِبَاتِ وَفِي الأَيَّامِ تَفْسِيرُ