فهرس الكتاب

الصفحة 249 من 759

نسخة الضلال وعلم الشقاء كما أن نسخة الهدى وعلم السعادة فهم صحيح، وقصد صالح. واللّه المستعان.

وتأمل قوله سبحانه: ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ (127) [التوبة] كيف جعل هذه الجملة الثانية، سواء كانت خبرا أو إعادة عقوبة، لانصرافهم، فعاقبهم عليه بصرف آخر غير الصرف الأول، فإن انصرافهم كان لعدم إرادته سبحانه ومشيئته لإقبالهم، لأنه لا صلاحية فيهم ولا قبول، فلم ينلهم الإقبال والإذعان، فانصرفت قلوبهم بما فيها من الجهل والظلم، عن القرآن، فجازاهم على ذلك صرفا آخر غير الصرف الأول، كما جازاهم على زيغ قلوبهم عن الهدى إزاغة غير الزيغ الأول، كما قال فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ (5) [الصف] .

وهكذا إذا أعرض العبد عن ربه سبحانه، جازاه بأن يعرض عنه، فلا يمكّنه من الإقبال عليه. ولتكن قصة إبليس منك على ذكر، تنتفع بها أتم انتفاع، فإنه لما عصى ربه تعالى، ولم ينقد لأمره، وأصرّ على ذلك، عاقبه بأن جعله داعيا إلى كل معصية، فعاقبه على معصيته الأولى بأن جعله داعيا إلى كل معصية وفروعها صغيرها وكبيرها، وصار هذا الإعراض والكفر منه عقوبة لذلك الإعراض والكفر السابق، فمن عقاب السيئة السيئة بعدها، كما أن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها.

فإن قيل: فكيف يلتئم إنكاره- سبحانه- عليهم الانصراف والإعراض عنه، وقد قال تعالى: فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (32) [يونس] و: أَنَّى يُؤْفَكُونَ (75) [المائدة] وقال: فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (49) [المدثر] فإذا كان هو الذي صرفهم، وجعلهم معرضين ومأفوكين، فكيف ينفي ذلك عليهم؟.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت