فهرس الكتاب

الصفحة 254 من 759

فصل

وأما تقليب الأفئدة فقال تعالى: وَ نُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَ أَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَ نَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (110) [الأنعام] وهذا عطف على أنها إذا جاءت لا يؤمنون، أي: نحول بينهم وبين الإيمان، ولو جاءتهم تلك الآية فلا يؤمنون، واختلف في قوله: كما لم يؤمنوا به أول مرة، فقال كثير من المفسرين: المعنى نحول بينهم وبين الإيمان لو جاءتهم الآية، كما حلنا بينهم وبين الإيمان أول مرة. قال ابن عباس في رواية عطاء عنه: ونقلّب أفئدتهم وأبصارهم حتى يرجعوا إلى ما سبق عليهم من علمي. قال: وهذا كقوله: واعلموا أن اللّه يحول بين المرء وقلبه. وقال آخرون: المعنى:

ونقلب أفئدتهم وأبصارهم، لتركهم الإيمان به أول مرة، فعاقبناهم بتقليب أفئدتهم وأبصارهم، وهذا معنى حسن، فإنّ كاف التشبيه تتضمن نوعا من التعليل كقوله: وَ أَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ (77) [القصص] وقوله: كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا وَ يُزَكِّيكُمْ وَ يُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ يُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (151) فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ (152) [البقرة] .

والذي حسّن اجتماع التعليل والتشبيه الإعلام بأن الجزاء من جنس العمل، في الخير والشر، والتقليب تحويل الشي ء من وجه إلى وجه، وكان الواجب من مقتضى إنزال الآية، ووصولهم إليها كما سألوا، أن يؤمنوا إذا جاءتهم لأنهم رأوها عيانا، وعرفوا أدلتها، وتحققوا صدقها، فإذا لم يؤمنوا، كان ذلك تقليبا لقلوبهم وأبصارهم عن وجهها الذي ينبغي أن تكون عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت