فهرس الكتاب

الصفحة 290 من 759

شهود الأمر، فيغيبون عن القدر، وتارة يبقون في حيرة وعمى، وهذا كله إنما سببه الأصول الفاسدة والقواعد الباطلة التي بنوا عليها، ولو جمعوا بين الملك والحمد والربوبية والإلهية والحكمة والقدرة، وأثبتوا له الكمال المطلق، ووصفوه بالقدرة التامة الشاملة، والمشيئة العامة النافذة التي لا يوجد كائن إلا بعد وجودها، والحكمة البالغة التي ظهرت في كل موجود، لعلموا حقيقة الأمر، وزالت عنهم الحيرة، ودخلوا إلى اللّه سبحانه من باب أوسع من السموات السبع، وعرفوا أنه لا يليق بكماله المقدس إلا ما أخبر به عن نفسه على ألسنة رسله، وأنّ ما خالفه ظنون كاذبة وأوهام باطلة، تولّدت بين أفكار باطلة وآراء مظلمة، فنقول، وباللّه التوفيق، وهو المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا باللّه.

الربّ تبارك اسمه، وتعالى جده، ولا إله غيره، وهو المنعم، على الحقيقة، بصنوف النعم التي لا يحصيها أهل سماواته وأرضه، فإيجادهم نعمة منه، وجعلهم أحياء ناطقين نعمة منه، وإعطاؤهم الأسماع والأبصار والعقول نعمة منه، وإدرار الأرزاق عليهم على اختلاف أنواعها وأصنافها نعمة منه، وتعريفهم نفسه بأسمائه وصفاته وأفعاله نعمة منه، وإجراء ذكره على ألسنتهم ومحبته ومعرفته على قلوبهم نعمة منه، وحفظهم بعد إيجادهم نعمة منه، وقيامه بمصالحهم دقيقها وجليلها نعمة منه، وهدايتهم إلى أسباب مصالحهم ومعايشهم نعمة منه. وذكر نعمه على سبيل التفصيل، لا سبيل إليه ولا قدرة للبشر عليه، ويكفي أن النفس من أدنى نعمه التي لا يكادون يعدونها، وهو أربعة وعشرون ألف نفس في كل يوم وليلة، فلله على العبد في النفس خاصة أربعة وعشرون ألف نعمة كل يوم وليلة، دع ما عدا ذلك من أصناف نعمه على العبد، ولكلّ نعمة من هذه النعم حقّ من الشكر، يستدعيه ويقتضيه، فإذا وزّعت طاعات العبد كلها على هذه النعم، لم يخرج قسط كل نعمة منها إلا جزء يسير جدا، لا نسبة له إلى قدر تلك النعمة بوجه من

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت