فهرس الكتاب

الصفحة 344 من 759

الآخر، لم يقل أحد قط: إن اللّه قد أنطق الساكت، كما أنطق المتكلم، وكلاهما قد أعطي آلة النطق، ومتعلق الأمر والنهي والثواب والعقاب الفعل لا الإفعال.

فإن قيل: هل تطردون هذا في جميع أفعال العبد من كفره وزناه وسرقته، فتقولون: إنّ اللّه أفعله، وهو الذي فعل، أم تخصّون ذلك ببعض الأفعال، فيظهر تناقضكم؟.

قيل: هاهنا أمران: أمر لغوي، وأمر معنوي، فأما اللغوي فإن ذلك لا يطّرد في لغة العرب، لا يقولون: أزنى اللّه الرجل، وأسرقه وأشربه وأقتله، إذا جعله يزني ويسرق ويشرب ويقتل، وإن كان في لغتها: أقامه وأقعده وأنطقه وأضحكه وأبكاه وأضله، وقد يأتي هذا مضاعفا كفهّمه وعلّمه وسيّره، وقال تعالى: فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ (79) [الأنبياء] فالتفهيم منه سبحانه، والفهم من نبيه سليمان، وكذلك قوله: وَ عَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (65) [الكهف] فالتعليم منه سبحانه، وكذلك التسيير، والسير والتعلم من العبد، فهذا المعنى ثابت في جميع الأفعال، فهو سبحانه هو الذي جعل العبد فاعلا، كما قال: وَ جَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا (73) [الأنبياء] وَ جَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ (41) [القصص] فهو سبحانه الذي جعل أئمة الهدى، يهدون بأمره، وجعل أئمة الضلال والبدع، يدعون إلى النار، فامتناع إطلاق:

أكلمه فتكلّم، لا يمنع من إطلاق أنطقه فنطق، وكذلك امتناع إطلاق: أهداه بأمره، وادعاه إلى النار، لا يمنع من إطلاق جعله يهدي بأمره، ويدعو إلى النار.

فإن قيل: ومع ذلك كلّه هل تقولون: إن اللّه سبحانه هو الذي جعل الزانيين يزنيان، وهو الذي جمع بينهما على الفعل، وساق أحدهما إلى صاحبه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت