فهرس الكتاب

الصفحة 345 من 759

قيل: أصل بلاء أكثر الناس من جهة الألفاظ المجملة التي تشتمل على حقّ وباطل، فيطلقها من يريد حقها، فينكرها من يريد باطلها، فيردّ عليه من يريد حقّها، وهذا باب إذا تأمله الذكيّ الفطن، رأى منه عجائب، وخلّصه من ورطات، تورط فيها أكثر الطوائف، فالجعل المضاف إلى اللّه سبحانه، يراد به الجعل الذي يحبه ويرضاه، والجعل الذي قدّره وقضاه قال اللّه: ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَ لا سائِبَةٍ وَ لا وَصِيلَةٍ وَ لا حامٍ (103) [المائدة] فهذا نفي لجعله الشرعيّ الديني، أي: ما شرع ذلك، ولا أمر به، ولا أحبه ورضيه، وقال تعالى:

وَ جَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ (41) [القصص] فهذا جعل كونيّ قدري، أي: قدرنا ذلك وقضيناه، وجعل العبد إماما يدعو إلى النار أبلغ من جعله يزني ويسرق ويقتل، وجعله كذلك أيضا لفظ مجمل، يراد به أنه جبره وأكرهه عليه، واضطره إليه، وهذا محال في حقّ الربّ تعالى، وكماله المقدس يأبى ذلك، وصفات كماله تمنع منه، كما تقدم، ويراد به أنه مكّنه من ذلك، وأقدره عليه من غير أن يضطرّه إليه، ولا أكرهه ولا أجبره، فهذا حق.

فإن قيل: هذا كله عدول عن المقصود، فمن أحدث معصية وأوجدها وأبرزها من العدم إلى الوجود؟.

قيل: الفاعل لها هو الذي أوجدها وأحدثها وأبرزها من العدم إلى الوجود، بإقدار اللّه له على ذلك، وتمكينه منه، من غير إلجاء له ولا اضطرار منه إلى فعلها.

فإن قيل: فمن الذي خلقها إذا؟.

قيل لكم: ومن الذي فعلها؟.

فإن قلتم: الربّ سبحانه هو الفاعل للفسوق والعصيان، أكذبكم العقل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت