فهرس الكتاب

الصفحة 349 من 759

قلت: كان ردّها عن طريقها ممكنا له مقدورا، أصبت، وإن قلت: لم يبق في هذه الحال بيده من أمرها شي ء، ولا هو متمكّن، أصبت، بل قد حال بينه وبين ردّها من يحول بين المرء وقلبه، ومن يقلّب أفئدة المعاندين وأبصارهم.

وإذا أردت فهم هذا على الحقيقة، فتأمل حال من عرضت له صورة بارعة الجمال، فدعاه حسنها إلى محبّتها، فنهاه عقله، وذكره ما في ذلك من التلف والعطب، وأراه مصارع العشّاق عن يمينه وعن شماله ومن بين يديه ومن خلفه، فعاد يعاود النظر مرة مرة، ويحثّ نفسه على التعلق وقوة الإرادة، ويحرض على أسباب المحبة، ويدني الوقود من النار، حتى إذا اشتعلت وشبّ ضرامها، ورمت بشررها، وقد أحاطت به، طلب الخلاص، قال له القلب: هيهات: لات حين مناص، وأنشده:

تولّع بالعشق حتى عشق ... فلما استقلّ به لم يطق

رأى لجّة ظنها موجة ... فلما تمكّن منها غرق

فكان التّرك أولا مقدورا له، لما لم يوجد السبب التام والإرادة الحازمة الموجبة للفعل، فلما تمكن الداعي، واستحكمت الإرادة، قال المحب لعاذله:

يا عاذلي والأمر في يده ... هلّا عذلت وفي يدي الأمر

فكان أول الأمر إرادة واختيارا ومحبة، ووسطه اضطرارا، وآخره عقوبة وبلاء، ومثّل هذا برجل ركب فرسا، لا يملكه راكبه، ولا يتمكن من ردّه، وأجراه في طريق ينتهي به إلى موضع هلاك، فكان الأمر إليه قبل ركوبها، فلما توسطت به الميدان، خرج الأمر عن يده، فلما وصلت به إلى الغاية، حصل على الهلاك. ويشبه هذا حال السكران الذي قد زال عقله، إذا جني

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت