فهرس الكتاب

الصفحة 350 من 759

عليه في حال سكره، لم يكن معذورا لتعاطيه السبب اختيارا، فلم يكن معذورا بما ترتّب عليه اضطرارا وهذا مأخذ من أوقع طلاقه من الأئمة.

ولهذا قالوا: إذا زال عقله بسبب يعذر فيه، لم يقع طلاقه، فجعلوا وقوع الطلاق عليه من تمام عقوبته، والذين لم يوقعوا الطلاق قولهم أفقه، كما أفتى به عثمان بن عفان، ولم يعلم له في الصحابة مخالف، ورجع عليه الإمام أحمد، واستقر عليه قوله. فإنّ الطلاق ما كان عن وطر، والسكران لا وطر له في الطلاق.

وقد حكم النبيّ صلى اللّه عليه وسلم بعدم وقوع الطلاق في حال الغلق «1» ، والسكر من الغلق كما أنّ الإكراه والجنون من الغلق، بل قد نصّ الإمام أحمد وأبو عبيد وأبو داود على أنّ الغضب إغلاق، وفسر به الإمام أحمد الحديث في رواية أبي طالب، وهذا يدل على أنّ مذهبه أن طلاق الغضبان لا يقع، وهذا هو الصحيح الذي يفتى به، إذا كان الغضب شديدا، قد أغلق عليه قصده، فإنه يصير بمنزلة السكران والمكره، بل قد يكونان أحسن حالا منه، فإن العبد في حال شدة غضبه يصدر منه ما لا يصدر من السكران من الأقوال والأفعال.

وقد أخبر اللّه سبحانه أنه لا يجيب دعاءه على نفسه وولده في هذه الحال، ولو أجابه لقضى عليه أجله، وقد عذر سبحانه من اشتدّ به الفرح بوجود راحلته في الأرض المهلكة بعد ما يئس منها، فقال: اللّهمّ أنت عبدي، وأنا ربك؛ ولم يجعله بذلك كافرا، لأنه أخطأ بهذا القول من شدة الفرح، فكمال رحمته وإحسانه وجوده يقتضي أن لا يؤاخذ من اشتد غضبه بدعائه على نفسه وأهله وولده، ولا بطلاقه لزوجته، وأما إذا زال عقله بالغضب، فلم يعقل ما

(1) حسن. وهو حديث «لا طلاق ولا عتاق في إغلاق» : رواه أحمد (6/ 276) وأبو داود (2193) ، وابن ماجة (2046) عن عائشة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت