فهرس الكتاب

الصفحة 357 من 759

نقول: هذا المعنى لا يسمى جبرا ولا اضطرارا، فإنّ حقيقة الجبر ما حصل بإكراه غير الفاعل له على الفعل، وحمله على إيقاعه بغير رضاه واختياره، والرب سبحانه هو الخالق للإرادة والمحبة والرضا في قلب العبد، فلا يسمى ذلك جبرا لا لغة ولا عقلا ولا شرعا، ومن العجب احتجاجك، بالقدرة والداعي، على أن الفعل الواقع بهما اضطراري من العبد، والفعل عندكم لم يقع بهما، ولا هو فعل العبد بوجه، وإنما هو عين فعل اللّه، وذلك لا يتوقف على قدرة من العبد ولا داع منه، ولا هناك ترجيح له عند وجودهما، ولا عدم ترجيح عند عدمهما، بل نسبة الفعل إلى القدرة والداعي كنسبته إلى عدمهما، فالفعل عندك غير فعل اللّه، فلا ترجيح هناك من العبد ولا مرجّح ولا تأثير ولا أثر.

قال السنيّ: وقد أجابك إخوانك من القدرية، عن هذه الحجة، بأجوبة أخرى، فقال أبو هاشم وأصحابه: لا يتوقف فعل القادر على الداعي، بل يكفي في فعله مجرد قدرته. قالوا: فقولك عند حصول الداعي: إما أن يجب الفعل، أو لا يجب. عندنا لا يجب الفعل بالداعي، ولا يتوقف عليه، ولا يمكنك أيها الجبري الرد على هؤلاء، فإنّ الداعي عندك لا تأثير له في الفعل البتة، ولا هو متوقف عليه، ولا على القدرة، فإن القدرة الحادثة عندك لا تؤثر في مقدورها، فكيف يؤثر الداعي في الفعل، فهذه الحجة لا تتوجه على أصولك البتة، وغايتها إلزام خصومك بها على أصولهم.

وقال أبو الحسين البصري وأصحابه: يتوقف الفعل على الداعي. ثم قال أبو الحسين: إذا تجرّد الداعي، وجب وقوع الفعل، ولا يخرج بهذا الوجوب عن كونه اختياريا. وقال محمود الخوارزمي صاحبه: لا ينتهي بهذا الداعي إلى حد الوجوب، بل يكون وجوده أولى، قالوا: فنجيبك عن هذه الشبهة على الرأيين جميعا، أما على رأي أبي هاشم، فنقول: صدور إحدى

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت