فهرس الكتاب

الصفحة 368 من 759

سبحانه في العقول، وحجج العقل لا تتناقض ولا تتعارض، ولا يجوز أن يضرب بعضها ببعض، بل يقال بها كلها، ويذهب إلى موجبها، فإنها يصدّق بعضها بعضا، وإنما يعارض بينهما من ضعفت بصيرته، وإن كثر كلامه وكثرت شكوكه، والعلم أمر آخر وراء الشكوك والإشكالات، ولهذا تناقض الخصوم.

وهذا رأس مال المتكلّمين، والقول الحق لم ينحصر في هذه الأقوال التي حكوها في المسألة.

والصواب أن يقال: تقع الحركة بقدرة العبد وإرادته التي جعلها اللّه فيه، فاللّه سبحانه إذا أراد فعل العبد، خلق له القدرة والداعي إلى فعله، فيضاف الفعل إلى قدرة العبد إضافة السبب إلى مسبّبه، ويضاف إلى قدرة الرب إضافة المخلوق إلى الخالق، فلا يمتنع وقوع مقدور بين قادرين، قدرة أحدهما أثر لقدرة الآخر، وهي جزء سبب، وقدرة القادر الآخر مستقلة بالتأثير. والتعبير عن هذا المعنى، بمقدور بين قادرين، تعبير فاسد وتلبيس، فإنه يوهم أنهما متكافئان في القدرة، كما تقول: هذا الثوب بين هذين الرجلين، وهذه الدار بين هذين الشريكين، وإنما المقدور واقع بالقدرة الحادثة وقوع المسبب بسببه، والسبب أو المسبّب والفاعل والآلة كله أثر القدرة القديمة، ولا نعطّل قدرة الرب سبحانه عن شمولها وكمالهما وتناولها لكل ممكن، ولا نعطل قدرة الرب التي هي سبب عما جعلها اللّه سببا له ومؤثرة فيه، وليس في الوجود شي ء مستقل بالتأثير سوى مشيئة الرب سبحانه وقدرته، وكل ما سواه مخلوق له، وهو أثر قدرته ومشيئته، ومن أنكر ذلك لزمه إثبات خالق سوى اللّه، أو القول بوجود مخلوق لا خالق له، فإنّ فعل العبد إن لم يكن مخلوقا للّه، كان مخلوقا للعبد، إما استقلالا، وإما على سبيل الشركة، وإما أن يقع بغير خالق، ولا مخلص عن هذه الأقسام لمنكر

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت