فهرس الكتاب

الصفحة 369 من 759

دخول الأفعال تحت قدرة الرب ومشيئته وخلقه، وإذا عرف هذا، فنقول:

الفعل وقع بقدرة الرب خلقا وتكوينا، كما وقعت سائر المخلوقات بقدرته وتكوينه، وبقدرة العبد سببا ومباشرة، واللّه خلق الفعل، والعبد فعله وباشره، والقدرة الحادثة وأثرها واقعان بقدرة الربّ ومشيئته.

فصل

قال الجبري: لو كان العبد فاعلا لأفعاله، لكان عالما بتفاصيلها، لأنه يمكن أن يكون الفعل أزيد مما فعله أو أنقص، فوقوعه على ذلك الوجه مشروط بالعلم بتفصيله، ومعلوم أنّ النائم والغافل قد يفعل الفعل، ولا يشعر بكيفية ولا قدرة، وأيضا فالمتحرك يقطع المسافة، ولا شعور له بتفاصيل الحركة ولا أجزاء المسافة، ومحرك إصبعه محرك لأجزائها، ولا يشعر بعدد أجزائها ولا بعدد أحيازها، والمنفس يتنفس باختياره، ولا يشعر في الغالب بنفسه فضلا عن أن يشعر بكميته وكيفيته ومبدئه ونهايته، والغافل قد يتكلم بالكلمة، ويفعل الفعل باختياره، ثم بعد فراغه منه، يعلم أنه لم يكن قاصدا له، فنحن نعلم علما ضروريا من أنفسنا عدم علمنا بوجود أكثر حركاتنا وسكناتنا، في حالة المشي والقيام والقعود، ولو أردنا فصل كلّ جزء من أجزاء حركاتنا في حالة إسراعنا بالمشي والحركة والإحاطة به، لم يمكنّا ذلك، بل ونعلم ذلك من حال أكمل العقلاء، فما الظنّ بالحيوانات العجم في مشيها وطيرانها وسباحتها حتى الذر والبعوض، وهذا مشاهد في السكران، ومن اشتدّ به الغضب، ولهذا قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَ أَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ (43) [النساء] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت