فهرس الكتاب

الصفحة 412 من 759

تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَ مَنْ مَعَهُ أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ (131) [الأعراف] بل هاتان النسبتان نظير هاتين النسبتين في هذه الآية، وهي نسبة السيئة إلى نفس العبد، ونسبة الحسنة والسيئة إلى أنهما من عند اللّه عز وجل.

فتأمل اتفاق القرآن وتصديق بعضه بعضا، فحيث جعل الطائر معهم والسيئة من نفس العبد، فهو على جهة السبب والموجب، أي: الشرّ والشؤم الذي أصابكم هو منكم ومعكم، فإنّ أسبابه قائمة بكم، كما تقول: شرّك منك، وشؤمك فيك. يراد به العمل، وطائرك معك، وحيث جعل ذلك كله من عنده، فهو لأنه الخالق له المجازي به عدلا وحكمة، فالطائر يراد به العمل وجزاءه، فالمضاف إلى العبد العمل، والمضاف إلى الرب الجزاء، فطائركم معكم: طائر العمل، وطائركم عند اللّه: الجزاء.

فما جاءت به الرسل ليس سببا لشي ء من المصائب، ولا تكون طاعة اللّه ورسوله سببا لمصيبة قط، بل طاعة اللّه ورسوله لا توجب إلا خيرا في الدنيا والآخرة، ولكن قد يصيب المؤمنين باللّه ورسوله مصائب بسبب ذنوبهم وتقصيرهم في طاعة اللّه ورسوله، كما لحقهم يوم أحد ويوم حنين، وكذلك ما امتحنوا به من الضراء وأذى الكفار لهم، ليس هو بسبب نفس إيمانهم، ولا هو موجبه، وإنما امتحنوا به، ليخلص ما فيهم من الشر، فامتحنوا بذلك كما يمتحن الذهب بالنار، ليخلص من غشه.

والنفوس فيها ما هو من مقتضى طبعها، فالامتحان يمحّص المؤمن من ذلك الذي هو من موجبات طبعه، كما قال تعالى: وَ لِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ يَمْحَقَ الْكافِرِينَ (141) [آل عمران] وقال: وَ لِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما فِي صُدُورِكُمْ (154) [آل عمران] فطاعة اللّه ورسوله لا تجلب إلا خيرا، ومعصيته لا تجلب إلا شرا. ولهذا قال سبحانه: فَما لِهؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (78) [النساء] فإنهم لو فقهوا الحديث، لعلموا أنه ليس في الحديث الذي أنزله اللّه على

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت