فهرس الكتاب

الصفحة 411 من 759

تعالى عن قوم فرعون: فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ وَ إِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَ مَنْ مَعَهُ (131) [الأعراف] أي: إذا جاءهم ما يسرون به ويتنعمون به من النعم، قالوا: نحن أهل ذلك ومستحقّوه، وإن أصابهم ما يسوؤهم، قالوا: هذا بسبب ما جاء به موسى.

وقال أهل القرية للمرسلين: قالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ (18) [يس] . وقال قوم صالح له عليه الصلاة والسلام: اطَّيَّرْنا بِكَ وَ بِمَنْ مَعَكَ (47) [النمل] . وكانوا يقولون لما ينالهم من سبب الحرب: هذا منك، لأنك أمرتنا بالأعمال الموجبة له وللمصائب الحاصلة من غير جهة العدو، وهذا أيضا منك، أي:

بسبب مفارقتنا لديننا ودين آبائنا، والدخول في طاعتك. وهذه حال كلّ من جعل طاعة الرسول صلى اللّه عليه وسلم سببا لشرّ أصابه من السماء، أو من الأرض، وهؤلاء كثير في الناس، وهم الأقلون عند اللّه تعالى قدرا، الأرذلون عنده، ومعلوم أنهم لم يقولوا: هذه من عندك، بمعنى: أحدثتها، ومن فهم هذا، تبين له أن قوله تعالى: ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَ ما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ (79) [النساء] ولا يناقض قوله تعالى: قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ (78) [النساء] . بل هذا تحقيق له، فإنه سبحانه بين أن النعم والمصائب كلها من عنده، فهو الخالق لها، المقدر لها، المبتلي خلقه بها، فهي من عنده، ليس بعضها من عنده وبعضها خلقا لغيره، فكيف يضاف بعضها إلى الرسول صلى اللّه عليه وسلم، وبعضها إلى اللّه تعالى؟! ومعلوم أن الرسول صلى اللّه عليه وسلم لم يحدثها، فلم يبق إلا ظنهم أنه سبب لحصولها، إما في الجملة، كحال أهل التّطيّر، وإما في المواقعة المعينة، كحال اللائمين له في الجهاد، فأبطل اللّه سبحانه ذلك الوهم الكاذب والظنّ الباطل، وبيّن أنّ ما جاء به لا يوجب الشر البتة، بل الخير كله فيما جاء صلى اللّه عليه وسلم به، والشرّ بسبب أعمالهم وذنوبهم، كما قال الرسل عليهم السلام لأهل القرية: «طائِرُكُمْ مَعَكُمْ» . ولا يناقض هذا قول صالح عليه السلام لقومه: «طائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ» ، وقوله تعالى عن قوم فرعون: وَ إِنْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت