فهرس الكتاب

الصفحة 420 من 759

قوله: كلّ من عند اللّه. فجمع بينهما الجمع الذي لا يتم الإيمان إلا به وهو اجتماعهما في قضائه وقدره ومشيئته وخلقه، ثم فرق بينهما الفرق الذي ينتفعون به، وهو أن هذا الخير والحسنة نعمة منه، فاشكروه عليه يزدكم من فضله ونعمه، وهذا الشر والسيئة بذنوبكم، فاستغفروه يرفعه عنكم، وأصله من شرور أنفسكم، فاستعيذوا به يخلصكم منها، ولا يتم ذلك إلا بالإيمان باللّه وحده، وهو الذي يهدي ويضل، وهو الإيمان بالقدر، فادخلوا عليه من بابه، فإن أزمّة الأمور بيده، فإذا فعلتم ذلك، صدّق منكم شهادة أن لا إله إلا اللّه، وأن محمدا رسول اللّه.

فهذه الخطبة العظيمة «1» عقد نظام الإسلام والإيمان، فلو اقتصر لهم على الجمع دون الفرق، أعرض العاصي والمذنب عن ذمّ نفسه، والتوبة من ذنوبه، والاستعاذة من شرها، وقام في قلبه شاهد الاحتجاج على ربه بالقدر، وتلك حجة داحضة، تبع الأشقياء فيها إبليس، وهي لا تزيد صاحبها إلّا شقاء وعذابا، كما زادت إبليس طردا وبعدا عن ربه، وكما زادت المشركين ضلالا وشقاء حين قالوا: لو شاء اللّه ما أشركنا ولا آباؤنا، وكما تزيد الذي يقول يوم القيامة: لو أنّ اللّه هداني لكنت من المتقين، حسرة وعذابا، ولو اقتصر لهم على الفرق دون الجمع، لغابوا به في التوحيد والإيمان بالقدر، واللّجأ إلى اللّه في الهداية والتوفيق والاستعاذة به من شر النفس وسيئات العمل، والافتقار التام إلى إعانته وفضله، وكان في الجمع والفرق بيان حقّ العبودية، وسيأتي تمام هذا الكلام على هذا الموضع العظيم القدر، إن شاء اللّه، بإثبات اجتماع القدر والشرع وافتراقهما.

الفرق الثالث: أنّ الحسنة يضاعفها اللّه سبحانه، وينميها ويكتبها للعبد

(1) انظر ما سبق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت